حـاروف شمـس العلم قمـر الشعر نجـوم الأدب

 
الصفحة الرئيسية
المغـتـربـون
محليّات الضيعة
مصمم الموقع

منوعـات عامة

مواقع إنترنت
المناسبات الدينية
إتصلوا بنا
 
 
 

ليس هناك في الأمة من يساوي أئـمـة أهــل البيت (ع) في عظمتهم وفضلهم ، ولا يباريهم في شرفهم ونسبهم ، ولا يرتفع إليهم في مقامهم ومكانتهم ، فهم عيش العلم ، وموت الجهل ...

 
 

We receive your remarks and comments upon our WebSite on:

 E-mail

 
 

لإعلاناتكم التجارية عبر موقعنا رجاء الإتصال على الهاتف رقم: 767743 /07

أو بواسطة البريد الإلكتروني:
 
 

نستقبل كافة إقتراحاتكم وملاحظاتكم عن موقعنا على البريد الإلكتروني:

 

كلمة هيئة بنت جبيل الخيرية الثقافية في مؤتمر القاهرة الدولي السادس

2008/3/29

ألقاها نائب رئيس هيئة بنت جبيل؛ أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية الدكتور مصطفى بزي...

تحية من لبنان إلى مصر العربية..

تحية من مدينة بنت جبيل، مدينة المقاومة والتحرير والانتصار إلى شعب مصر الأبي، إلى مصر الحضارة والاهرامات، إلى مصر بور سعيد وقناة السويس والاسكندرية والقاهرة، وأسوان والسد العالي، وكل بقعة في أرض النيل.

تحية إلى مصر الثقافة والعلم والكتاب والمسرح، من أرض الجنوب اللبناني، الذي جبل ترابه بدماء الشهداء والأبرار، الذين دافعوا عن الأرض والإنسان، لتحيا الأرض ويحيا الإنسان بعزّة وكرامة وسؤدد وفخار.

تحيّة إليكم أيها الأخوة، أيتها الأخوات، ونحن على قناعة تامة بأنّ شعوركم معنا، وقلوبكم معنا، وأننا نقوى بكم، ونأخذ جرعة من الأمل من وقفات العزّ التي تقفونها.

تحية صادقة لهيئة بنت جبيل الخيرية الثقافية (هبة) التي أتاحت لنا الفرصة الثمينة للمشاركة في هذا المؤتمر المميز والجامع، هذه الهيئة التي تنشط داخل لبنان وخارجه، وخاصة في مصر عبر مجموعة من المثقفين والناشطين الذين نعتز بهم ونفتخر.

تحية لأروى محمود، لنفين سمير، لمروة، لداليا، للدكتورة هبة التي كنا نتمنى أن تكون بيننا لولا ظروف صحية طارئة حالت دون ذلك.

مقدمة

لماذا أوّلاً الحديث عن بنت جبيل بالذات، وقد كتب عنها الكثير الكثير، وإسمها ملأ صفحات الكتب والصحف والمقالات، وصورها ملأت الشاشات، ولماذا هذا الإهتمام بهذه البلدة - المدينة، التي ذاع صيتها في كل مكان، وأخبارها وصلت إلى كل الأصقاع، وحكاياها تجاوزت كل الأماكن والبلدان، ألا يكفي كل هذا عن بنت جبيل، ألا يفترض الأمر أن نتحدث عن غيرها من القرى والبلدات والمدن الأخرى، التي لها هي أيضاً دورها وتاريخها ونضالها، وحركيتها الدائمة عبر فترات طويلة؟

إنها أسئلة مشروعة، لكن عندما يطلع المرء على خفايا وأسرار، ومجريات ما يحدث على أرض بنت جبيل، عبر التاريخ، سيتراجع السؤال إلى الوراء، ويتقدم التأكيد على أن ما يُتحدث عنه ليس كثيراً، بل هو قليل، وهو حسب ما يقول بعض المطلعين والمحللين، أنه ما جرى في منطقة بنت جبيل، على يد مقاومي حزب الله، هو بمثابة الزلزال الذي هزّ عرش "إسرائيل"، وبثّ الرعب في قلوب قادتهم... وألقى بتداعياته على الشعب الصهيوني، الذي راح في حزن عميق...

لماذا نحن نركّز الحديث عن بنت جبيل؟ لماذا الإهتمام هذا بها؟

* بنت جبيل بداية هي مدينة تقع في جنوبي الجنوب، على الحدود الفلسطينية، لا يفصلها عن الأرض المحتلة إلا حوالي ثلاثة أو خمسة كيلومترات، والأرض متصلة ببعضها، حتى أن لبنت جبيل أراضي مقضومة داخل فلسطين (خاصة قريتي صلحا والمالكية من القرى السبع).

* بنت جبيل مركز قضاء لقضاء بنت جبيل، عدد سكانها حوالي خمسون ألف نسمة يتواجد منهم في المدينة حوالي خمسة آلاف فقط والباقون مهجّرون أو مهاجرون نتيجة الإعتداءات الإسرائيلية وتراجع الأوضاع الإقتصادية المعيشية.

* عندما أتحدث عن بنت جبيل أتحدث عن مربع التحرير (بنت جبيل، عيناتا، عيترون ومارون الراس) الذي شهد أعنف المعارك.

* خاضت هذه المدينة صراعات سياسية، أقلها منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى اليوم، ولا زالت.

* أهميتها الإقتصادية من خلال سوقها الذي كان يرتاده أبناء سوريا وفلسطين وغزة.

محطات هامة في تاريخ بنت جبيل

* في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كانت لبنت جبيل موقف لهم من جمعية الإتحاد والترقي، التي حاولت تتريك العرب، وإعطائهم الهوية التركية، وإحلال اللغة التركية مكان العربية، فانسحب أبناء بنت جبيل من هذه الجمعية إحتجاجاً وانضمّوا إلى حزب اللامركزية.

* في 1920 وإثر الانتداب الفرنسي كانت بنت جبيل سباقة إلى إعلان ثورة العشرين، حيث وقفت في وجه هذا الإنتداب، وكانت نتيجة ذلك إحراقها وتدميرها ونهبها، من قبل حملة الجنرال نيجر الذي هاجمها بأربعة آلاف جندي، وهاجر أهلها إلى فلسطين.

* 1927 عندما حدثت معارك في صفد (الجليل الأعلى) بين الفلسطينيين العزّل واليهود المسلحة، وسقط عدد من العرب جرحى، تظاهر أهالي بنت جبيل وأضربوا أمام مخفر السلطة المنتدبة، وقال أحد شعرائها قصيدة منها:

 ضموا الهلال إلى الصليب         وتعانـقوا بدم القلـوب

  وطـنـي مـريـض مـا لـــه          غير المهنّد من طبيب

*1936 كانت بنت جبيل تناضل ضد شركة الريجي الإحتكارية (المونوبول) التي احتكرت زراعة التبغ وتصنيعه والإتجار به، كما كانت ترفع شعار الوحدة السورية في مواجهة دعاة الوحدة اللبنانية (الذي كان يدعو إلى الكيان اللبناني بعيداً عن الأمة العربية) وسقط من بنت جبيل شهداء على يد القوات الفرنسية  " سمّوا بشهداء الوحدة السورية "، ومع ذلك الوقت انطلقت ثورة عز الدين القسام في فلسطين، فغلّب أهالي بنت جبيل المسألة القومية على المسألة الوطنية، وشاركوا بفعالية بهذه الثورة، فقدموا للثوار السلاح والتموين والذخيرة، وكانت بنت جبيل منطلقاً للثوار الفلسطينيين في تلك الفترة.

* في ذلك الوقت أيضاً خاضت بنت جبيل صراعاً مريراً ضد المستشار الفرنسي بتشكوف، الذي كان يقف في وجه أية محاولة تقف في وجه لإنتداب، وزجّ بالوطنيين في سجن الرمل، وحدثت إنتفاضة انطلقت من بنت جبيل، ووصلت أصداؤها إلى صيدا والنبطية وبيروت وطرابلس والشام. واستمرّت لعدة أشهر، وسقط من أبنائها وأبناء الجوار شهداء عرفوا ب  " شهداء الوحدة السورية " آنذاك .

* 1943 كانت بنت جبيل سباقة في تأييد الإستقلال واستقبلت رجالات هذا الاستقلال.

*1948 كانت بنت جبيل على موعد مع جيش الإنقاذ، الذي تجمّع فيها وحولها، وكان للمجاهدين علي بزي ومعروف سعد دورهم في تحفيز الشباب اللبناني لمشاركة جيش الإنقاذ في الدفاع عن فلسطين، وساهمت بنت جبيل بكل ما أوتيت  من قوة في هذا النضال تمويناً وسلاحاً وذخيرة وشباباً، ودون أي مقابل.

وسقط أثناء المعارك المالكية شهيد من بنت جبيل هو " نمر طرفة "، ولا يزال قبره حتى اليوم في مكان المعركة بين المالكية وعيترون.

* كما سقط في حيفا، وتحديداً في الفينري الشهيد قاسم أبو طعام على أيدي الصهاينة.  وبعد إحتلال فلسطين، استقبلت بنت جبيل عدة مئات من العائلات الفلسطينية، بقيت حوالي 5 سنوات، قبل أن تنقل من قبل السلطة اللبنانية إلى مناطق بعيدة عن الحدود.

* 1952 ، كانت بنت جبيل على موعد مع ثورة مصر المظفرة، وبنت جبيل تشتعل حيوية بالدم العروبي الخالص، فحدثت المظاهرات تأييداً.

* 1956 كان أبناء بنت جبيل يتابعون أخبار مصر والتأميم، ثم العدوان، وحصل إحتفال مجاهدي في ناديها الحسيني، تحدث خلاله عدد من الخطباء الذين حيّوا مصر العروبة، وشجبوا العدوان الآثم، وقال أحد شعرائها:

ردّدي يا سما هتاف الحناجر         فالملايين صيحة عاش ناصر

* 1958 وقفت بنت جبيل ضد حلف بغداد، وضد كميل شمعون وعهده وضد الأسطول السادس الذي تمّ الإستقواء به.

إثر إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، قامت المظاهرات تأييداً، ثم زحفت بنت جبيل والجنوب إلى الشام، تعبيراً عن تأييد أبنائها للوحدة.

* 1969 كانت بنت جبيل على موعد مع الثوار الفلسطينيين الذين أتوا من منطقة العرقوب، لتدخل المنطقة في مرحلة جديدة، حيث بدأت الإعتداءات الإسرائيلية على بنت جبيل، وسقط منها عشرات الشهداء والجرحى.

(وقدمت بنت جبيل يومها شهيدين من أبنائها هما الأخضر العربي ثم واصف شرارة).

* 1972 حدث الإجتياح الأول، وتم تدمير عدد من المنازل في البلدة وحصلت مواجهات مع القوات الإسرائيلية.

* 1978 كان الإجتياح الثاني وكانت بنت جبيل مسرحاً لمواجهات عنيفة، بين القوات الإسرائيلية وقوات الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، وخاصة على تلة مسعود التي شهدت معركة عنيفة، استشهد خلالها الشهيد البطل حسان شرارة، وأكثر من خمسين شهيداً ضمتهم تربة بنت جبيل.

* 1982 كان الإجتياح الثاني، وكانت المعاناة تلو المعاناة.

* 1985 تم الإنسحاب وبقي الشريط الحدودي المحتل وحده، وهنا ذاقت بنت جبيل الأمرّين من جرّاء الممارسات العدوانية من إسرائيل وعملائها وسجن المئات من أبنائها في سجن الخيام واستمر بعض هؤلاء في السجن أكثر من 15 سنة.

* 2000 كان التحرير المظفر، وكانت الإحتفالات التي توّجت باحتفال النصر والتحرير، حين وقف السيد حسن نصر الله من على ملعبها ليعلن الإنتصار ويهديه إلى كل أبناء الشعب اللبناني وإلى كل الشرفاء في هذا العالم وكانت هذه الوقفة أحد أسباب حرب تموز، حين أرادت اسرائيل أن تنتقم لهزيمتها المذلة سنة 2000، ولما قاله السيد عنها (والله والله أن إسرائيل لأوهن من بيت العنكبوت)، وكان الإسرائيليون يحاولون الوصول ولو إلى الملعب ليرفعوا من هناك علم الإنتصار عن المقاومة لكن رغبتهم لم تتحقق بفضل رجال المقاومة وشهدائها.

بنت جبيل نصر العرب

إن الحديث عن بنت جبيل، هو حديث عن كل قرية وبلدة ومدينة، قاومت، وناضلت وقدّمت شهداء، كرمى لعيون الوطن والأمة، وإن حكاية بنت جبيل هي حكايا عيناتا وعيترون ومارون الراس، وعيتا الشعب وكونين وبيت ياحون والطيري، والطيبة ووادي الحجير وفرون والغندورية، وغيرها وغيرها، مما لا يتسع المجال لذكرها جميعاً...

عندما نتحدّث عن بنت جبيل، هذا الموقع المتقدم من خارطة الوطن، هذا المكان المتاخم للأراضي الفلسطينية المحتلة، يغمر كلّ مواطن شريف الإعتزاز والفخر، بهذا الشعب، الذي يعاني من عشرات السنين، الظلم والعدوان والتهميش، الشعب الذي قدّم التضحيات الجسام من أجل أن تتحرّر الأرض، من رجس الإحتلالات المتتالية، كما يغمر كل الذين يؤمنون بالعرفان بالجميل الإعتزاز، بمقاومين أبطال نذروا أنفسهم قرابين في سبيل عزة أمتهم وكرامتها، وسؤددها ومستقبل أبنائها، وقدموا دماءهم رخيصة في سبيل الأرض والإنسان، وقدّموا النموذج الأمثل، كيف يكون الإيثار، وكيف يكون الدفاع عن الوطن مجاناً، ودون أي مقابل، وكيف تكون المقاومة خياراً، والتضحية قناعة، وتحديد المسار إرادة.

عندما يحيّي البعض بنت جبيل، وعندما يقدّرونها، فلأنها كانت، وستظلّ واحدة من عناوين المقاومة، وعدم الإستسلام والخنوع والسكوت عن الظلم.

صحيح أن النطق غير يسير، ونحن نرى أثلام جراح بنت جبيل، لكننا نحن، ومن موقعنا لا نملك غير هذا البذار، لا نملك إلا الكلمات، هذه الكلمات الصادرة من صميم صميم قلوبنا، نطلقها صادقين، لا نريد مقابلها شيئاً، لأننا نحب بنت جبيل، ومن أولى بمحبتها منّا، نحن الذين لم نتركها يوماً، ولم نغادرها برهة، ومن خلال وجودها، ازداد ايماننا بالوجود، ومن خلال عينيها الهائمتين، ورغم الصعاب والدمار والخراب، نحلم بدنيا لا أحلى ولا أجمل.

هي المدينة التي دمّرها العدوّ، لكنه لم يقدر على دخولها، وهي المدينة التي هجّر الصهاينة أهلها، لكنه لم يستطع إذلالهم، وهي التي حطّمت جبروت العدو، فاضطرّ فاشلاً للتراجع عن مشارفها، وتلالها وشعابها مكلّلا بالعار، ودافع عنها المقاومون البواسل، فكللوا هامتها بالغار.

بنت جبيل جزء من التاريخ، مشت والتاريخ جنباً إلى جنب، لم تغادره أبداً، لم تتركه لحظة، لم تنأ عنه، لم تتراجع ولم تهن، لم تركن ولم تستكن، لم نتخاذل ولم ترتهن. قلبها لم يتوقف لحظة عن الحركة والخفقان، وشرايينها بقيت تجري فيها الدماء دون أي بطؤ، صدرها لم ينقبض مرة حتى في أحلك اللحظات وأصعبها، وبقي مفتوحاً للحب، للكرم، للعطاء.

هي كما قال عنها أحد محبيها، قد غمست ريشتها في دمها، وباشرت كتابة الفصل الجديد من ديوان جبل عامل. رصفت " بيوتها " بيتاً بيتاً، وغادر " الشباب " قصائدهم ليكملوا الملحمة.

ليست بيوتاً من حجر، هذه التي تتناثر متكاتفة من حول الساحة (الحي القديم التراثي الذي دمّر بأكمله)، ثم تتدرج وتتنافر لتتكامل، مقدّمة شيئاً من الشعر المنثور. كلّ ما في بنت جبيل يُقرأ مُنغماً ومموسقاً كالآيات البيّنات.

كيف يمكن إحتلال الشعر؟ كيف يمكن إسكات المعنى المتدفق من الرمز الذي يختزل تاريخاً من الثورات والإنتفاضات، والمواجهات الممتدة جيلاً إثر جيل، منذ أن استقرت عاملة في هذا الجبل، ورابطت فيه لتحميه، باصطناع البطولة التي تدرّ القصائد الجديدة ؟

نعم بنت جبيل هي قصيدة شعر، هي قطعة نثر، هي والشعر والأدب توأمان، لم يفارقا بعضهما البعض لحظة في هذا الزمان، الجلسات الأدبية والشعرية جزء من تراثها الذي لا ينسى، كانت تهدر دائما مع نغمات هدير سماور الشاي، قال شعراؤها الشعر، ونظموه وحفظوه عن ظهر قلب، كالآيات وارتجلوه خلال الجلسات، وبيت واحد من الشعر يقوله شاعر، كان يؤدي إلى قصيدة متكاملة، متناسقة، أبياتها من هذا وذاك، ودون أي تكلف أو تصنّع.

ولم يتوقف الشعر والأدب في بيوتها، وبعد كل مرة كان التدمير يطالها، كنا نرى البناء ينبعث من الخراب، والقصائد تعمر الأمكنة والنوادي والبيوت، وفي كل مرة كانت تقصف، كنا نرى الحياة مجدّداً فيها، حيث تعود الكلمة إلى سابق عهدها وأكثر.

لم تكد شمسها تغرب، حتى نراها تشرق من جديد، مبشّرة بأمل مشرق زاهٍ منير.

في كل فترة يحاولون قهرها بالموت، فتقف بهامتها الطويلة، وشموخ رأسها، تعلن أنها لن تموت، إلا بإذن الله عز وجلّ، وهي أكثر أصالة، وأقوى رسوخاً في القلوب والنفوس.

قدرُ بنت جبيل أن تكون في جنوبي الجنوب، أن تكون متاخمة للأرض الفلسطينية المحتلة، هذه الأرض التي دنسها الصهاينة الذين اغتصبوها وشرّدوا أهلها، وقدر أبناء بنت جبيل، أنهم يكحّلون عيونهم يومياً بأرض فلسطين الحبيبة، فتشدّهم الذاكرة دوماً إلى الوراء، إلى التاريخ.

قدر هؤلاء الأهل والأحبة، أن يتلقوا الضربات تلو الضربات، والقتل والتهجير، وحرق البيوت والتدمير، لكن ما يعوّض عن كل ذلك، أن بنت جبيل تبقى عنوان التحدّي والصمود والعنفوان، تبقى وبشكل خاص، في قلب الحدث، تسكن في قلوب أبنائها، كما في قلوب كل المعجبين والمحبين، ممّن يعرفون قيمتها وأهميتها، في لبنان وفي البلدان العربية الشقيقة، وحتى في بعض الدول الأجنبية.

بعد التحرير، قال أبناؤها، أنهم تعافوا من حقد العدو وعدوانه وظلمه وتعسّفه، وخلعت بنت جبيل بالفعل رداءها الليلي، واكتست حلّة جديدة، آملة بغد مشرق عزيز، وجاء أبناؤها من كل مكان، من ديار الاغتراب، من كل ديار الاغتراب، ومن الداخل ليساهموا في إعادة إعمارها، وإعادة الحياة مجدّداً إليها، وكان لهم ما أرادوا، فبنوا وعمّروا وفرحوا، وعادت الأعراس إلى سابق عهدها، وكذلك الأمر بالنسبة لجوارها، لأخواتها العامليات اللواتي شاركنها في تحمّل الظلم والصعوبات، وهال العدوّ أن يرى كل ذلك، هاله أن يرى سيّد المقاومة يقف من ملعب بنت جبيل، من ربوعها الزاهرة، من أرضها التي عادت إليها الحياة ليعلن الإنتصار، ويهديه إلى كل الشرفاء، وإلى الشعب اللبناني، فأراد العدو أن ينتقم منها مجدّداً، أراد أن يزرع حقده في بيوتها وحقولها، وحاراتها القديمة، التي تحتضن ذاكرة تاريخها، أراد أن يقتل مقاومتها وإنسانها الداعم والحاضن لهذه المقاومة، أراد أن يفصل بين رأسها وجسدها، وأن يُنهك قواها، لكن أمله خاب، وعجز عن إطفاء شعلة النور فيها، وفي عقول أبنائها، كبارهم وصغارهم، نسائهم ورجالهم، فسمّاها " المدينة الملعونة " لأنها كانت بالفعل لعنة عليه، على قادته السياسيين والعسكريين، وعلى كل المجتمع الصهيوني.

لم يعرف العدوّ أن المقاومة لدى هذا الشعب، تولد من رحم التراب والعذاب والمعاناة، وأنّ المقاومة تتعزز في ظروف الظلم والقهر والإستعباد والإذلال، وأن المقاومة هي الطريق الوحيد للحرية والسيادة والإستقلال، والدموع لا تحمي بلداً يهدّده الأعداء.

وإذا لم تكن بنت جبيل " بيت صناعة الخزف "، ولم تكن " بيت الشمس " (كما ورد في النصوص الفرعونية ) أو " بيت عناة "  (كما ورد لدى المصريين القدماء)، فهي بدون شك، بيت أولئك الذين زادوا بنت جبيل شرفاً بتقديم دمائهم الزكية لترابها فزادوه قداسةًَ، كما هي بيت أولئك الذين ضمّت أرض بنت جبيل، أجسادهم الطاهرة.

بنت جبيل اليوم، هي المدينة التي تهوى إليها الأفئدة والقلوب، وتتعلق بها الآمال، والعريقة بتاريخها وولائها الصادق، وجهادها وإيمانها (الحسيني الكربلائي)، التي لم تحد يوماً عن الخط الجهادي والنضالي، رغم كل النتائج الكارثية التي كانت تتوالى عليها، لكنها بذلك استحقت فعلاً أن تكون مدينة الانتصار والمقاومة والتحرير.

د. مصطفى بزي

هيئة بنت جبيل الخيرية الثقافية

تقرير عن مشاركة هيئة بنت جبيل الخيرية الثقافية في أعمال مؤتمر القاهرة الدولي السادس

مقدمة

يعد مؤتمر القاهرة الدولي لمناهضة الإمبريالية من المساحات الفريدة في العالم العربي، فهو دائرة يجتمع بها سنوياً المناضلين ضد الهيمنة والتبعية من قوى العالم العربي من يسار وإخوان وناصريين وقوميين ونقابيين وحركات طلابية وحركات نسائية من أجل تكريس تحالفاتهم ومناقشة قضاياهم وتنسيق جهودهم. ويتميز بأنه يشارك فيه مناضلين من قارات مختلفة من تيّار مناهضة العولمة ومناهضة الحرب، بل شهد هذا العام حضور وفد هندي وكذا وفد ضخم من كوريا، بخلاف الحضور من أوروبا وأمريكا اللاتينية.

تحت عنوان " الحملة الدولية ضد الاحتلال الأميركي والصهيوني " عقد مؤتمر القاهرة الدولي السادس – ومنتدى القاهرة الرابع للتحرّر، في مقرّ نقابة الصحفيين، خلال الفترة الواقعة بين 27 و 30 مارس/ آذار 2008.

وقد تمثلت في المؤتمر معظم القوى والأطياف والتيارات السياسية المصرية المعارضة، كما حضرت وفود من دول عديدة في العالم، من أميركا وكندا وأوروبا وبعض الدول العربية، كلها معارضة للتوجهات السياسية الأميركية، وكذلك للممارسات الصهيونية العنصرية وغيرها.

وتمثل لبنان بعدد من ممثلي التيارات السياسية المناهضة للمشاريع الأميركية والصهيونية، وبآخرين من الشخصيات الوطنية المستقلة.

كما تمثلت هيئة بنت جبيل الثقافية الخيرية بكل من رئيس الهيئة الأستاذ محمد حسين بزي ونائب الرئيس الدكتور مصطفى بزي وعضوي الهيئة السيد موسى فضل الله والأستاذة أمل طنانه.

تضمنت جلسات المؤتمر مواضيع عديدة ومهمّة، بعضها مصري داخلي، وبعضها الآخر عربي ودولي.

المواضيع الداخلية المصرية تمحورت حول أوضاع الفلاحين والمزارعين والمرأة، وأوضاع العمّال والنقابات، وحقوق الانسان والفساد، والنضال الطبقي ودروس الكفاح الجماهيري، والثقافة الغربية وأثرها على الشباب، وأوضاع الجامعات في مصر، والغلاء الإقتصادي وأثره على الشباب وعلى المجتمع، ومسألة الخصخصة والتصدي للعنصرية، وتدهور بعض الخدمات مثل التعليم، الخ....

أما المواضيع العربية فقد تمحورت بشكل أساسي حول الهجمة الأميركية والصهيونية على المنطقة العربية وضرورة التصدي لها، وأوضاع المقاومة للمشاريع الاستعمارية والصهيونية وخاصة في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان، وجاءت هذه المواضيع تحت بعض العناوين مثل: مناهضة إسرائيل والمشروع الصهيوني، رؤى سياسية، المقاطعة الأكاديمية، مراجل تأسيس شبكة عالمية لمقاطعة إسرائيل أكاديمياً، في مواجهة الهولوكوست في غزة، وإحياء دور المقاومة في دعم الشعب الفلسطيني، وشهادات عن الصراع ضد إسرائيل والصهيونية إلخ ....

وهناك مواضيع دولية طرحت أيضاً خلال جلسات المؤتمر، وكان أهمها تحت العناوين التالية: تجمّع الكنديين العرب (كندا) أفغانستان، جبهة الحقوق والحريات (تركيا)، الامبريالية الأميركية العدو المشترك لشعوب العالم، حملة إرفعوا أيديكم عن فنزويلا (بلجيكا) : الثورة في فنزويلا والنضال مراجل الاشتراكية.

حملة أصدقاء خوسيه كوزو (أسبانيا): الاعلام والحرب: معركة التحكم في المعلومات.

البرلمانيون الاسلاميون، انتفاضة اليونان + المعسكر المناهض للإمبريالية (أوروبا): دور الحركة العالمية المناهضة للحرب في دعم المقاومة، الخ...

خلال جلسة الافتتاح كانت هناك كلمات لممثلي الأحزاب والتيارات السياسية، وتحدث من لبنان كلّ من الدكتور علي فياض (حزب الله)، ود. عصام نعمان، والأستاذ علي الملاح (مغترب في كندا وأحد الناشطين هناك).

أنشطة هيئة بنت جبيل في المؤتمر

توالت جلسات المؤتمر خلال الأيام الثلاثة الأخرى، وفي تمام الساعة الثامنة من مساء السبت الواقع في 29/3/2008 كان اللقاء مع هيئة بنت جبيل الخيرية الثقافية. التي كانت قد نشطت منذ اليوم الأول لانعقاد المؤتمر، في عرض صور بنت جبيل قبل العدوان وبعده، وصور من الدمار الهائل الذي أصيبت به المدينة، وكذلك في وضع يافطات وصور كبيرة تحمل إسم بنت جبيل، وكانت هناك مساهمات كبيرة وفعّالة لمجموعة من الناشطات المصريات المنتسبات لهيئة بنت جبيل، واللواتي عملن خلال كل فترات التهيئة للمؤتمر في التنسيق والدعاية والكتابة والطباعة، وكل ما يؤدي إلى نجاح موقع بنت جبيل ولفت الأنظار إليه. وكان من نتيجة ذلك أن زار الموقع عدد كبير من المؤتمرين والضيوف وكانت لهم لقاءات مع أعضاء الهيئة، وقرارات بالإنتساب لها كمتطوعين، وبلغ عدد هؤلاء أكثر من ثلاثمئة ناشط، من العرب والأجانب، كما كان هناك إقبالا كبيرا على الفيلم التسجيلي الذي أنتجته الهيئة عام 2007 عن معاناة أهالي مدينة بنت جبيل أثناء الحرب. وقد حصل عدد من المشاركين بالمؤتمر من عرب وأجانب على نسخ DVD من الفيلم.

جلسة السبت تضمنت محاضرة بعنوان " بنت جبيل نصر العرب " قدّمها أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية، ومؤلف كتاب " بنت جبيل حاضرة جبل عا&#