نجحت الدراما العربية السورية في دخول البيوت العربية خلال السنوات العشر الماضية بل تحوّل ابطال المسلسلات الى القاب تتقاذفها الناس فيما بينها، وقد تسابق الاطفال قبل الكبار لتقليد شخصيات الممثلين واعادة الادوار في الاحياء والمدارس ومن هذه الادوار قتال الاعداء المحتلّين للبلاد ومن الاعداء الاتراك والفرنسيين وبالطبع فإنّ ذلك يتماشى مع الافكار القومية العربية التي هي من صلب عقيدة الحزب الحاكم في سوريا و قد أدّت الهدف المنشود لها وهو تعزيز روح الكبرياء و وتوطيد اواصر العمل والمشاعر الجماعية وإعلاء شأن الفكر والسلوك المقاوم الديني والاسلامي خاصة لدى العربي عامة والسوري خاصة، فمن باب الحارة وعقيدها ابوشهاب الى رجال العز وبطلها عبود الشاميّ دون ان ننسى اخوة التراب وغيرها من المسلسلات التي ما وقعت في ذهن ووعي الناس إلاّ بافضل زمان وجداني وتأمليّ اي شهر رمضان مما زاد نجاح وظيفة الدراما الاخلاقية والوطنية والسياسية، وبالتأكيد وفي مكان آخر كان للمسلسلات الناجحة بنقدها اللاذع والساخر والموفق للفساد والقيادات وللدولة أثر عميق في وعي وادراك المشاهدين، فمن يوميات مدير عام ومرورا ببقعة ضوء ومرايا ووصولا الى الخربة كانت التعبئة التربوية وروح النقمة ومشاعر الاشمئزاز تزداد رويدا ورويدا من رمضان الى آخر.
وهكذا تلاقت النظرة
للاهداف واندمجت المشاعر العدائية المتفلتة من
المكبوت النفسي والاجتماعي والوطني والديني
والقومي ناهيك عن تراكم الكراهية الطبيعي من
المواطنين ضدّ اهل السلطة و رجالات الامن فكيف إذا
كان هؤلاء اي رجالات السلطة والامن مثلا سيئاَ
بالقمع والقهر وجمع المال الحرام بحجة مادة
قانونية هنا او رسالة نضال من هناك؟!
اشبع المواطن العربي بالمشاهد الوطنية وفضح
الحقائق عن الفساد امام عينيه، ما عاد العربي أمياَّ
لا يقرأ بل لا حاجة له للقراءة إن كان كسولاّ فما
عليه الآن الاّ ان يسمع الخبر العاجل وان يتابع
المعلومات التي تتدفق امام عينيه ليعرف وليميّز
الابيض من الاسود إذ ما عادت حدود الحقيقة
المفروضة هي حدود الاعلام الرسمي للجهاز المرئي او
المكتوب فنحن اليوم وجميعا متعلم ومثقف، امّي
وجاهل في حضرة الخبر العاجل وثقافة الاعلام السريع
والمتضارب في المعلومات الى حدّ النكتة واللغز
والحقيقة المقدّمة على صحن لاقط من فضّة!
غاب عن بال السلطة
انّ الفرنسيّ الذي جاء كمستعمر رحل الى جهنّم منذ
زمن بعيد وان من ارسله ادبيا الى هناك هم
الفرنسيّون انفسهم الذين ما عادت تروق لهم فكرة
الاحتلال ويا ليت السلطة تدري ان الجماعات التي
تسمى في فرنسا بالقدم السوداء اي الفرنسيين الذين
حكموا الجزائر هم الاكثر عزلة وكراهية من الشعب
الفرنسي فعن اي محتلّ فرنسي تتحدث المسلسلات إذن
وهم قد رحلوا؟ وعن اي تركي نتحدّث وتركيا
العلمانية تمكنت من تغيير نمط عيش حتى الاسلاميين
هناك؟
لم يجد المواطن العربي والسوري خاصة ايّ فرنسي او
تركي من حوله يضطهده ولم يجد فسادا او قمعا اجنبيا
يحكمه. نظر فرأى وبعد ان حفظ الدرس تماما، انه ابو
شهاب شخصيا وعبود الشامي واقعياَ وان الحكام من
حوله من ابناء جلدته اكثر سوءا من الفرنسي العتيق
والتركي القديم فانتفض كما علّمته الدراما تماما.
لقد تخطّت الدراما السورية برقيّها ومستوى فكر مواضيعها الرائعة واسلوب طرح ومعالجة هموم وآلام الناس كلّ خطابات الدولة وافكارها المتكررة الجامدة .تخطّى بطل الدراما بصورته شخصيات الدولة والحاكم، اصبح الممثل في الدراما اكثر صدقا من الوزيرالفعلي في بلاد لا ننكر انّها تختزن اسبابا وعوامل اخرى لتقاتل الناس بعضها بعضا وانّها كانت وما زالت عرضة لمؤامرات صهيونية وغير صهيونية لاسقاط من بقي يفكّر يالنضال من اجل فلسطين.
منذ طفولتنا ونحن نسمع ان الانظمة العربية فاسدة ويجب اسقاطها بالجملة وليس بالمفرّق فهل ستقود المرأة السيارة في السعودية ام ان الاسلاميين الجدد سيأخذون بنصيحة الثائرالليبي العظيم الذي وببيانه الاول اباح الزواج المتعدد من جديد بدل توزيع ثروات البلاد على الشعب، نحن مع الحراك الشعبي في كل مكان وجد فيه الظلم لكن شرط ان يكون البديل افضل وليس انطلاقة لدراما سورية جديدة تعدّ العدّة من جديد لاطاحة الحاكم الثوري الجديد وعبر التراكم الزمني من شهر رمضان الى رمضان آخر.
يجب التعرّف الى الآلية التي يساهم فيها الشعب العربي في تحويل الثائر الحرّ الى طاغية لمعالجتها والانتهاء منها كي لا ننتج طواغيت جدد ولكي تنصرف الدراما الى امور اخرى لتعالجها في المجتمع فترتاح ونستريح.

