|
من المؤكد أن العقد والازمات والاضطرابات النفسية تلعب دوراً هاماً في
شخصيات وسلوك القادة والافراد في المجتمعات، بل ربّما كانت عاملاً
أساسياً في نشوب المعارك والحروب عبر التاريخ، ولذلك كتب التاريخ
دائماً عن هواجس وشهوات وصلابة وعناد ودموية واستعلاء وشذوذ الزعماء،
فمنهم من نعتهم المؤرخون بالجنون أو بمرضى الشذوذ الجنسي او بالظالم أو
المستبدّ أو الكافر وغيره من النعوت. ومع تطوّر العلوم الانسانية بدأت
هذه المصطلحات او التسميات تتغيّر الى جنون العظمة والاضطهاد و
النرجسية والهوس المرضي والفوبيا السياسية وغيرها، وهكذا فالكلام
الوصفي لحركة كادر سياسي من ناحية علمية لا يكون انتقاصاً من شخصه أو
تهجماَ لهدف مخابراتي محدّد سلفاً، من هذا المنطلق، نسمح لانفسنا
بالسؤال عن حركة القائد وليد جنبلاط، هذا القائد المتغيّر في مواقعه
وكلامه ومواقفه وتطلّعاته الى حدّ التخوين من البعض والى حدّ الشعور
بالصدمة والخيبة لدى جماهير غير قادرة على المتابعة السريعة لحركة
المواقف والتحوّل الاسرع الى جبهات متناقضة مما يثير السؤال لدينا، هل
مواقف القائد ناتجة عن تمعّن وحنكة وتبصّر في العمل السياسي أم انّ في
حالات التخلّي الكثير من العوامل النفسية المتأزمة؟
لا يمكن لقائد ان يقامر بجماهيره بالجملة عبر نقلها من فوهة مدفع الى
اخر، بانتظار جثة قاتل ان تمرّ مع سيل النهر! ولا يمكن لقائد ان يدفع
بالامور الى حدّ التقاتل والتناحر الطائفي من اجل قرارين في حكومة غير
قادرة على وقف تمديدات لهاتف سلكي او غير سلكي لحزب عقائدي ومسلّح، ثمّ
يتحوّل الى معاتب ماهر ورام للمسؤولية على أكتاف الاخرين، لا بدّ انّ
في المسألة دافع خفيّ، نفسيّ في الجوهر، يحمل في طيّاته توتراً يلزم
صاحبه بقلب مزاجه من الفرح الى الحزن أو من الحزن الى الفرح وفق منسوب
التوتر الجامح نحو شعور الموت والخوف من الموت والخوف من الخوف المترتب
عن شعور غرائزي لدى الانسان المعتقد بضرورة الخلود وبضرورة البقاء من
اجل الحياة لتجنب سيرورة الموت العاملة بكدّ ونشاط لترهق ولتدمّر
الكينونة النفسية وفق قانون وحدة الاضداد.
مما لا شكّ فيه انّ القائد وليد جنبلاط يعاني من حالتي تقلب المزاج
القطبي: من اكتئآب يصل لحدود السويداء مع ما تحمله من مشاعر ذنب وندم
ومعاقبة الذات بالانتحار، هنا كانت العودة لفلسطين والمقاومة والفقراء
والمحتاجين ضدّ المال واهله، نكرّر من اكتئآب الى فرح مفرط يذهب الى
حدود المجازفة والمقامرة والاستهتار بالعواقب مع مشاعر بالانتصار
الاكيد والحتمي والتفاؤل المفرط الغير مبني على منطق الدليل والقرينة،
هنا كان الأسد قرداً وهنا كان القرد افعى، وهنا اسقطت قدسية المقاومة
وكان لا بدّ من تسليم السلاح.
إنّ لتحوّلات مزاج القائد أثماناً تدفعها غالباً الجماهيرالمعجبة به،
كما انّ لتحوّلات مزاج القائد وعدم ثباته على موقع أثماناً تدفعها
"الأنا" المتعبة من الترحال الدائم والسريع... ومن المعلوم أن مادة
الليتيوم من أفضل العلاجات لتقلب المزاج القطبي فهل يقبل السياسيون
اللبنانيون بقليل من الليتيوم؟
وختاماً لا نخفي محبّتنا لصراحة هذا القائد الوطني ويساريته كما أننّا
لا نخفي محبّتنا لأبيه. |