حـاروف شمـس العلم قمـر الشعر نجـوم الأدب

الغدير والإمامة

إن من المناسب قبل أن ندخل في الموضوع الذي هو محط النظر - أن نشير إلى تفسير تاريخي مقتضب لمصطلح شائع ومعروف هو مصطلح: (حديث الغدير) فنقول:

إن كلمة (حديث الغدير) تتضمن إشارة إلى حادثة تاريخية وقعت في السنة الأخيرة من حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وبالذات في الأشهر الأخيرة منها.

حيث إنه (صلى الله عليه وآله) قد حج حجته المعروفة بـ(حجة الوداع) فلما قضى مناسكه، انصرف راجعا إلى المدينة، ومعه جموع غفيرة تعد بعشرات الألوف من المسلمين، فلما بلغ موضعاً يقال له: (غدير خم) في منطقة الجحفة، التي هي بمثابة مفترق طرق، تتشعب منها طرق المصريين والمدنيين والعراقيين القادمين إلى الحج .

نزل جبرائيل عليه في ذلك الموضع، في يوم الخميس في الثامن عشر من ذي الحجة بقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)، حيث أمره الله سبحانه أن يقيم علياً إماماً للأمة، ويبلغهم أمر الله سبحانه فيه.

فما كان من الرسول (صلى الله عليه وآله) إلا أن أمر بِردِّ من تقدم من الناس، وحبس من تأخر منهم. ثم صلى بهم الظهر، وبعدها قام بهم خطيباً على أقتاب الإبل وذلك في حر الهاجرة . وأعلن، وهو آخذ بضبع علي (عليه السلام) : أن علياً أمير المؤمنين، ووليهم، كولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم. حيث قال: من كنت مولاه فعليٌ مولاه (قاله ثلاث أو أربع مرات) اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.

فنزلت الآية الكريمة: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا).

ثم طفق القوم من الصحابة يهنئون أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفي مقدمتهم الشيخان: أبو بكر وعمر وغيرهما من المعروفين من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله).هذه صورة موجزة عن هذه القضية ذكرناها توطئةً، وتمهيداً للبحث الذي هو محط نظرنا.

توطئة وتمهيد

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل، فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، إن الله لا يهدي القوم الكافرين) (المائدة 67).

نزلت هذه الآية في حجة الوداع، لتؤكد على لزوم تبليغ النبي (صلى الله عليه وآله) ما أمر به من أمر الإمامة. وولاية علي (عليه السلام) على الناس. كما ذكرته المصادر الكثيرة. والروايات الموثوقة ولسنا هنا بصدد الحديث عن ذلك.

وقد يرى البعض: أن هذه الآية قد تضمنت تهديداً للرسول نفسه، بالعذاب والعقاب إن لم يبلغ ما أنزل إليه من ربه، وفي بعض الروايات: أنه (صلى الله عليه وآله) قد ذكر ذلك في خطبته للناس يوم الغدير، وستأتي بعض تلك الروايات إن شاء الله تعالى.

ولكننا نقول: إن التهديد الحقيقي موجه لفئات من الناس كان يخشاها الرسول، كما صرح هو نفسه (صلى الله عليه وآله) بذلك ولم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) ممتنعا عن الإبلاغ. ولكنه كان ممنوعاً منه، فالتهديد له – إن كان- فإنما هو من باب: (إياك أعني، واسمعي يا جارة).

وهذا بالذات، ما نريد توضيحه في هذا البحث، بالمقدار الذي يسمح لنا به المجال، والوقت فنقول:

الغدير والإمامة

إن من يراجع كتب الحديث والتاريخ، يجدها طافحة بالنصوص والآثار الثابتة، والصحيحة، الدالة على إمامة علي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، ولسوف يجد أيضاً: أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يأل جهداً، ولم يدخر وسعاً في تأكيد هذا الأمر، وتثبيته، وقطع دابر مختلف التعللات والمعاذير فيه، في كل زمان ومكان، وفي مختلف الظروف والأحوال، على مر العصور والدهور.

وقد استخدم في سبيل تحقيق هذا الهدف مختلف الطرق والأساليب التعبيرية وشتى المضامين: فعلاً وقولاً، تصريحاً، وتلويحاً، إثباتاً ونفياً، وترغيباً وترهيباً، إلى غير ذلك مما يكاد لا يمكن حصره، في تنوعه، وفي مناسباته.

وقد توجت جميع تلك الجهود المضنية، والمتواصلة باحتفال جماهيري عام نصب فيه رسميا علي (عليه السلام) في آخر حجة حجها رسول الله (صلى الله عليه وآله). وأخذت البيعة له فعلا من عشرات الألوف من المسلمين، الذين يرون نبيهم للمرة الأخيرة.

وقد كان ذلك في منطقة يقال لها (غدير خم) واشتهرت هذه الحادثة باسم هذا المكان. وهي أشهر من أن تذكر . وقد المحنا إلى ذلك في أول هذا البحث.

ولسنا هنا في صدد البحث عن وقائع ما جرى، واستعراض جزئياته، ولا نريد توثيقه بالمصادر والأسانيد، ولا البحث في دلالاته ومراميه المختلفة. فقد كفانا مؤونة ذلك العلماء الأبرار ، جزاهم الله خير جزاء وأوفاه.

وإنما هدفنا هو الإلماح إلى حدث سبقه بفترة وجيزة، وهو ما حصل ـ تحديداً ـ في حجة الوداع، التي نصب فيها النبي (صلى الله عليه وآله) علياً إماماً للأمة، وهو في طريق عودته منها إلى المدينة.

وذلك لأن التعرف على هذا الحدث الذي سبق قضية الغدير لسوف يمكننا من أن نستوضح جانباً من المغزى العميق الذي يكمن في قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس).

ولكننا قبل ذلك، لا بد لنا من إثارة بعض النقاط المفيدة في هذا المجال فنقول:

الحدث الخالد

أن من طبيعة الزمن في حركته نحو المستقبل، وابتعاده عن قضايا الماضي، وهو أن يؤثر في التقليل من أهمية الأحداث الكبيرة، التي يمر بها، وتمر به، ويساهم في أفولها شيئا فشيئا، حتى تصبح على حد الشبح البعيد البعيد، ثم قد ينتهي بها الأمر إلى أن تختفي عن مسرح الذكر والذاكرة، حتى كأن شيئاً لم يكن.

ولا تحتاج كبريات الحوادث في قطعها لشوط كبير في هذا الإتجاه إلى أكثر من بضعة عقود من الزمن، مشحونة بالتغيرات والمفاجآت.

وحتى لو احتفظت ببعض معالمها - لسبب أو لآخر - بشئ من الوضوح، ونالت قسطاً من الإهتمام، فلا يرجع ذلك إلى أن لها دوراً يذكر في حياة الإنسان وفي حركته، وإنما لأنها أصبحت تاريخاً مجيداً يبعث الزهو والخيلاء لدى بعض الناس، الذين يرون في ذلك شيئاً يشبه القيمة، أو يعطيهم بعضاً من الإعتبار والمجد بنظرهم.

ولكن قضية الغدير، رغم مرور الدهور والأحقاب، وبعد ألف وأربع مئة سنة زاخرة بالتقلبات العجيبة، وبالقضايا الغريبة، ومشحونة بالحروب والكوراث، بالعجيب من القضايا والحوادث .

ورغم المحاولات الجادة، والمتتابعة للتعتيم عليها، وإرهاقها بالتعليلات غير المعقولة، باردة كانت أو ساخنة، بهدف حرفها عن خطها القويم، وعن الإتجاه الصحيح والسليم..

وكذلك رغم ما عاناه ويعانيه المهتمون بها من اضطهاد وغربة، وتشريد ومحنة، وما يصب على رؤوسهم من بلايا ومصائب، وكوارث ونوائب.

نعم رغم ذلك كله وسواه، فإن هذه الحادثة بما تمثله من قضية كبرى للإيمان وللإنسان، قد بقيت ولسوف تبقى القضية الأكثر حساسية وأهمية، لأنها الأكثر صلة بالإيمان وبالإنسان، ولأنها الأعمق تأثيراً في حياة هذا الكائن، وفي بنية شخصيته من الداخل، وعلى علاقاته بكل من وما يحيط به، أو يمت إليه بأدنى صلة أو رابطة من الخارج.

وهي كذلك القضية الأكثر مساساً وارتباطاً بمستقبل هذا الإنسان، وبمصيره، إن في الدنيا، وإن في الآخرة.

وهذا بالذات هو السر في احتفاظ هذه القضية بكل حيويتها، وحساسيتها بالنسبة إليه، على مر الدهور، وتعاقب العصور، ولسوف تبقى كذلك كما سيتضح فيما يأتي.

مفتاح الحل

وإذا كان الأمر كذلك فلا يبقى مجال لما قد يثيره البعض، من أنه: سواء أكان الحق في ذلك لعلي (عليه السلام)، وقد اغتصب منه، وأقصي عن منصب هو له، أم لم يكن الأمر كذلك، فإن هذه القضية قد تجاوزتها الأحداث، وأصبحت تاريخاً يحكيه البعض، وينساه آخرون، كأي حدث تاريخي آخر..

فلم يعد الوقوف عندها والإهتمام بها مجدياً، ولا خفياً، إن لم نقل: إن فيه ما يوجب الفرقة، ويرسخ التباعد، بما يثيره من كوامن وضغائن.

لا ليس ثمة مجال لهذا القول، فإن قضية الغدير، لا تزال ولسوف تبقى هي القضية الأساسية والرئيسة بالنسبة للمسلمين جميعاً، بل وحتى بالنسبة لغيرهم أيضاً.

وهي المفتاح للباب الذي لا بد من الدخول منه لحل المشاكل المستعصية الكبرى، وبعث وبناء الإسلام وقوته وحيويته.

وبدون ذلك، فإن على الجميع أن يستعدوا للمزيد من المصائب، وأن يقبلوا- شاؤا أم أبوا - باستمرار حالة الضعف والتقهقر، بل وانهيار بناء الإسلام الشامخ.

خلافة أم إمامة‍‍

وذلك لأن القضية لا تقتصر على أن تكون مجرد قضية خلافة وحكم، أي قضية: أن يحكم هذا، أو يحكم ذاك، لسنوات معدودة، وينتهي الأمر - وربما يقال إن الذين تصدوا للحكم، واستأثروا به لأنفسهم قد قصدوا ذلك، ولكننا نجد شواهد كثيرة قد لا تساعد على هذا الفهم الساذج للأمور.

لا..لا يقتصر الأمر على ذلك، وإنما هو يتجاوزه لما هو أهم وأخطر، حيث قد عمل الحكام الأمويون على تكريس مفهوم الإمامة والخلافة الإلهية في كل شخصية تصدت للحكم .. وذلك في نطاق تقديم العديد من الضوابط والمعايير، المستندة إلى مبررات ذات طابع عقائدي في ظاهره يتم على أساسها اضطهاد الفكر والاعتقاد المخالف، والتخلص من رجالاته بطريقة أو بأخرى.

وقد سرت تلك المفاهيم المخترعة في الناس، وأصبحت أمراً واقعاً، لا مفر منه ولا مهرب، ولا ملجأ منه ولا منجى، وتفرقت الفرق، وتحزبت الأحزاب، رغم أن غير الشيعة من أرباب الفرق والمذاهب الإسلامية يعتقدون بالخلفاء أكثر مما يعتقد الشيعة في أئمتهم ويمارسون ذلك عملاً، ولكنهم ينكرون ذلك، ولا يعترفون به، كما أنهم ينكرون على الشيعة إعتقادهم في أئمتهم ما هو أخف من ذلك وأيسر.

دور الإمامة في بناء الإنسان والحياة

وليس من الغريب القول بأن قضية الإمامة والموقف منها هو الذي يحدد مسار الإنسان واتجاهه في هذه الحياة وعلى أساس هذا التحديد، والمعرفة والإعتراف يتحدد مصيره، ويرسم مستقبله، وبذلك تقوم حياته، فيكون سعيداً أو شقياً، في خط الإسلام وهداه، أو في متاهات الجاهلية وظلماتها كما أشير إليه في الحديث الشريف: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) أو ما بمعناه.

فعلى أساس الإعتقاد بالإمامة يجسد الإنسان على صعيد الواقع، والعمل، مفهوم الأسوة والقدوة، الذي هو حالة طبيعية، يقوم عليها - من حيث يشعر أو لا يشعر - بناء وجوده وتكوين شخصيته، منذ طفولته.

وعلى أساس هذا الإعتقاد، وذلك الموقف - أيضاً - يختار أهدافه، ويختار السبل التي يرى أنها توصلة إليها.

كما أن لذلك تأثيره الكبير في تكوينه النفسي، والروحي، والتربوي، وفي حصوله على خصائصه الإنسانية وفي حفاظه على ما لديه منها.

والإمامة هي التي تبين له الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والضار من النافع.

وعلى أساس الالتزام بخطها يرتبط بهذا الإنسان أو بذاك، ويتعاون معه، ويتكامل، أو لا يفعل ذلك.

كما أنها هي التي تقدم للإنسان المعايير والنظم، والمنطلقات التي لا بد أن يلتزم بها، وينطلق منها، ويتعامل ويتخذ المواقف - إحجاماً أو إقداماً - على أساسها.

أضف إلى ذلك أنها تتدخل في حياته الخاصة، وفي ثقافته، وفي أسلوبه وفي كيفية تفكيره.

ومن الإمام يأخذ معالم الدين وتفسير القرآن، وخصائص العقائد ودقائق المعارف. وهذا بالذات هو السر في أننا نجد إنساناً يأخذ معالم دينه من شخص دون آخر، ويجعل هذا أسوته وقدوته دون ذاك.

إذاً .. فموضوع الغدير، ونصب الإمام للناس، وتعريفهم به، لا يمكن أن يكون على حد تنصيب خليفة، أو حاكم، أو ما إلى ذلك، بل الأمر أكبر وأخطر من ذلك ، كما أنه ليس حدثاً عابراً فرضته بعض الظروف، لا يلبث أن ينتهي ويتلاشى تبعاً لتلاشي وانتهاء الظروف التي فرضته أو أوجدته، وليصبح في جملة ما يحتضنه التاريخ من أحداث كبيرة، وصغيرة، لا يختلف عنها في شيء، ولا أثر له في الحياة الحاضرة إلا بمقدار ما يبعثه من زهو، واعتزاز، أو يتركه من مرارة وألم على مستوى المشاعر والإنفعالات لا أكثر.

بل أمر الإمامة، هو الذي يمس في الصميم حقيقة هذا الإنسان، ومصيره ومستقبله، ودنياه وآخرته، ويؤثر في مختلف جهات وجوده وحياته.

ومعنى ذلك هو أنه لا بد من حسم الموقف في هذا الأمر ليكون الإنسان على بصيرة من أمره يموت ميتة جاهلية. كما تقدم عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

واشتراط الحديث الشريف تحصيل معرفة الإمام في النجاة من الهلكة وذلك في صيغة عامة تشمل كل إنسان حتى ولو لم يكن يعتنق الإسلام، حيث قال: (من مات ولم يعرف إمام زمانه..) ولم يقل: إذا مات المسلم ولم.

إن هذا الاشتراط يوضح لنا: أن تجاهل قضية الإمامة، وعدم حسم الأمر في موضوع الأسوة والقدوة يساوي رفضها، وإبعادها عن محيط الحياة والإنسان في كونه يوجب الميتة الجاهلية، ويترك آثاره السلبية المهلكة والمبيدة، على مجمل حياة هذا الكائن وعلى مستقبله ومصيره، في الدنيا والآخرة.

ومما يدل على ذلك، ويثبته ويؤكده: أنه تعالى قد اعتبر عدم إبلاغ أمر الإمامة إلى الناس، يساوي عدم إبلاغ الرسالة نفسها من الأساس، وذلك يعني: أنه لا يمكن التسامح فيها ولا المحاباة، ولا مجال لإبعادها وتعطيلها لأن ذلك يعني إبعاد الدين وتعطيله، ومنعه من أن يكون هو سيد الموقف، وصاحب القرار في حياة الإنسان، وفي مجمل مواقفه.

فما بلغت رسالته

وبعد أن عرفنا: أن القضية ليست قضية شخص، وإنما هي قضية الرسالة، أن تكون، أو لا تكون، حتى لقد قال تعالى، مخاطباً نبيه (صلى الله عليه وآله)، في مجال الحث على حسم أمر الإمامة (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) بعد أن عرف ذلك .. فإن المنع من إبلاغ الرسالة والإمامة معناه حرمان الإنسان من الهداية الإلهية، والرعاية الربانية، وليس هناك جريمة أعظم ولا أخطر من ذلك.

وهنا لا بد من إلقاء نظرة على ما كانت عليه الحال في زمن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فيما يرتبط بهذه النقطة بالذات، لنتعرف على أولئك الناس الذين حاولوا منع الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) من إبلاغ أمر الإمامة إلى الناس وذلك في الفصل التالي.

الموتورون، الحاقدون، المعارضون

إننا إذا رجعنا إلى القرآن الكريم، فسوف نجد أنه قد أفصح لنا عن وجود فئات من الناس، كانت تقف في وجه الرسول (صلى الله عليه وآله) مباشرة، وتمنعه من بيان أمر الإمامة وإقامة الحجة فيها، حتى احتاج (صلى الله عليه وآله ) إلى طلب العصمة من الله سبحانه، ليتمكن من مواجهة هؤلاء، وكبح جماحهم.

فمن هم هؤلاء الأشرار الأفاكون، والعتاة المجرمون. الذين يجترؤون على مقام النبوة الأقدس، ويقفون في وجه إبلاغ أوامر الله، وأحكامه؟

الجواب

إن كتب التاريخ والحديث، والسيرة زاخرة بالشواهد والدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة، التي تكشف لنا القناع عن وجه هؤلاء، وتظهر مدى تصميمهم على رفض هذا الأمر، ومحاربته، وطمسه ومنابذته، بكل ما أوتوا من حول وقوة..

ونحن في مقام التعريف بهم، والدلالة عليهم نبادر إلى القول: إنهم – للأسف - قوم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحاربته وهو غض طري العود، ثم حاربته بعد أن ضرب بجرانه، وعملت على زعزعة أركانه، حينما أرادت حرمانه من العنصر الضروري والأهم للحياة وللإستمرار، والبقاء وأعني به عنصر الإمامة والقيادة.

والنصوص التالية خير شاهد على سياسات قريش هذه . فلنقرأها بتمعن، وصبر، وأناة.

النصوص الصريحة

قال عثمان بن عفان لابن عباس:

(لقد علمت: أن الأمر لكم، ولكن قومكم دفعوكم عنه) ثم تذكر الرواية له كلاما آخر، وجواب ابن عباس له، فكان مما قال: (فأما صرف قومنا عنا الأمر، فعن حسد - قد والله - عرفته، وبغي، - والله - علمته بيننا وبين قومنا). وحين ظهرت نتائج الشورى التي عينها عمر بن الخطاب، قال رجل من بني مخزوم لعمار: (ما أنت وتأمير قريش لأنفسها).

ثم تستمر الرواية إلى أن تذكر: أن المقداد قال: (تالله، ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت. وأعجبا لقريش، لقد تركت رجلاً، ما أقول، ولا أعلم أحداً أقضى بالعدل ). وخطب أبو الهيثم بن التيهان بين يدي أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فقال: (إن حسد قريش إياك على وجهين، أما خيارهم فتمنوا أن يكونوا مثلك منافسة في الملأ، وارتفاع الدرجة. وأما شرارهم فحسدوك حسداً أنغل القلوب، وأحبط الأعمال، وذلك أنهم رأوا عليك نعمة قدمك إليها الحظ، وأخرهم عنها الحرمان، فلم يرضوا أن يلحقوك حتى طلبوا أن يسبقوك، فبعدت - والله - عليهم الغاية، وأسقط المضمار، فلما تقدمتهم بالسبق. وعجزوا عن اللحاق بك بلغوا منك ما رأيت، وكنت والله أحق قريش بشكر قريش..).

وعمرو بن عثمان بن عفان أيضاً قال: (ما سمعت كاليوم إن بقي من عبد المطلب على وجه الأرض أحد بعد قتل الخليفة عثمان - إلى أن قال: - فيا ذلاه، أن يكون حسن وسائر بني عبد المطلب - قتلة عثمان - أحياء يمشون على مناكب الأرض..).

يقولون هذا مع أنهم يعلمون: أن الحسن (عليه السلام) كان يدافع عن عثمان وهو محاصر في داره.

وعن علي بن الحسين (عليه السلام)، أنه قال: ما بمكة والمدينة عشرون رجلا يحبنا.

ودخل العباس على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله، إنا لنخرج فنرى قريشاً تحدث، فإذا رأونا سكتوا. فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ودر عرق بين عينيه.

وسئل الإمام السجاد (عليه السلام ) - وابن عباس أيضاً: ما أشد بغض قريش لأبيك؟!.

قال: لأنه أورد أولهم النار، وألزم آخرهم العار.

وعن ابن عباس: قال عثمان لعلي (عليه السلام ): (ما ذنبي إذا لم يحبك قريش، وقد قتلت منهم سبعين رجلاً، كأن وجوههم سيوف الذهب).

وقريب منه ما روي أن ابن عمر ، قد قاله لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً.

وروي أن العباس قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) : إن قريشاً، جلسوا، فتذكروا أحسابهم، فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة من الأرض، فقال (صلى الله عليه وآله).. الخ . وحسب نص آخر: أن أناساً من الأنصار جاؤوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: إنا لنسمع من قزمك، حتى يقول القائل منهم: إنما مثل محمد مثل نخلة.

ويقولون أيضاً: قد كان هوى قريش كافة ما عطا بني هاشم في عثمان. وقال المقداد: وآ عجباً لقريش، ودفعهم هذا الأمر عن أهل بيت نبيهم.

وقال الثقفي: كانت قريش كلها على خلافة مع بني أمية. وبعد بيعة عثمان تكلم عمار، فذكر أن قريشاً هي التي صرفت هذا الأمر عن أهل البيت، ثم قال المقداد لعبد الرحمن بن عوف: (يا عبد الرحمن، أعجب من قريش،, إنما تطولهم على الناس بفضل أهل هذا البيت، قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعده من أيديهم. أما وأيم الله يا عبد الرحمن، لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر). وبعد أن بايع الناس علياً (عليه السلام) قام أبو الهيثم، وعمار وأبو أيوب، وسهل بن حنيف، وجماعة معهم، فدخلوا على علي (عليه السلام)، فقالوا: يا أمير المؤمنين أنظر في أمرك، وعاتب قومك هذا الحي من قريش، فإنهم قد نقضوا عهدك، واخلفوا وعدك، ودهونا في السر إلى رفضك)، كما أن البراء بن عازب عد ذكر: أنه حين توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) تخوف أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عن بني هاشم. وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد قال لعلي (عليه السلام)، إن الأمة ستغدر بك بعدي. كما أنه (صلى الله عليه وآله) قد أخبر أمير المؤمنين، بأن في صدور أقوام ضغائن، لا يبدونها له إلا بعده، وفي بعض المصادر: أن ذلك كان منه (صلى الله عليه وآله) حين حضرته الوفاة.

الخليفة الثاني يتحدث أيضاً

قال عمر لابن عباس وهو يتحدث عن سبب صرف الأمر عن علي (عليه السلام): (والله، ما فعلنا الذي فعلنا معه عن عداوة، ولكن استصغرناه، وخشينا أن لا يجتمع عليه العرب، وقريش، لما قد وترها). وقال لابن عباس أيضا: (كرهت قريش أن تجمع لكم النبوة والخلافة، فتجفخوا الناس جفخا، فنظرت قريش لأنفسها، فاختارت، ووفقت، فأصابت). وفي موقف آخر له أيضاً معه، قال الخليفة له: (استصغر العرب سنه). كما أنه قد صرح أيضاً بأن قومه قد أبوه.

وفي مناسبة أخرى قال له: (لا، ورب هذه البنية، لا تجتمع عليه قريش أبداً). وقال أيضاً لابن عباس: (إن علياً لأحق الناس بها، ولكن قريشاً لا تحتمله).

قريش في كلمات علي (عليه السلام)

وإذا رجعنا إلى كلمات أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) نفسه، فإننا نجده يحمل قريشاً مسؤولية كل المصائب والرزايا والبلايا التي واجهها هو وكل المخلصين بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) ولا سيما فيما أرتبط بأمر الخلافة، وما نشأ عن ذلك من مزق، في جسم الأمة، وتوزع في أهوائها. ثم ما كان من تقاتل وتناحر، وانحراف عن خط الإسلام وعن مفاهيمه وأحكامه، وإلى يوم يبعثون.

ونذكر من كلماته (عليه السلام) هنا، ما يلي:

قال (عليه السلام): (اللهم أخز قريشاً، فإنها منعتني حقي، وغصبتني أمري).

وعنه (عليه السلام): (فجزى قريشاً عني الجوازي، فإنهم ظلموني حقي، واغتصبوني سلطان ابن أمي).

وفي نهج البلاغة وغيره قال (عليه السلام): (اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي ثم قالوا: ألا في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه).

وزاد في نص آخر: (فاصبر كمداً، أو فمت متأسفاً حنقاً، وأيم الله لو استطاعوا أن يدفعوا قرابتي - كما قطعوا سنتي ـ لفعلوا - ولكن لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً).

وفي خطبة له (عليه السلام)، يذكر فيها فتنة بني أمية، ثم ما يفعله المهدي (عليه السلام) بهم، يقول: (فعند ذلك تود قريش بالدنيا وما فيها، لو يرونني مقاماً واحداً، ولو قدر جزر جزور، لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه، فلا يعطونيه). وعنه (عليه السلام): (حتى لقد قالت قريش: ابن أبي طالب رجل شجاع, ولكن لا علم له بالحرب).

وقال (عليه السلام): (إني لأعلم ما في أنفسهم، إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر في صلاح شأنها، فتقول، إن ولي الأمر بنو هاشم لم يخرج منهم أبداً، وما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش).

وقال(عليه السلام): (إن العرب كرهت أمر محمد (صلى الله عليه وآله) وحسدته على ما آتاه الله من فضله، واستطالت أيامه، حتى قذفت زوجته، ونفرت به ناقته، مع عظيم إحسانه إليها، وجسيم مننه عندها، وأجمعت مذ كان حياً على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته.

ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة، وسلماً إلى العز والإمرة، لما عبدت الله بعد موته يوماً ولا واحداً، ولا ارتدت في حافرتها، وعاد قارحها جذعاً وبازلها بكراً.

ثم فتح الله عليها الفتوح، فأثرت بعد الفاقة، وتمولت بعد الجهد والمخمصة، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً، وقالت: لولا أنه حق لما كان كذا.

ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها، وحسن تدبير الأمراء القائمين بها، فتأكد عند الناس نباهة قوم، وخمول آخرين، فكنا نحن ممن خمل ذكره، وخبت ناره، وانقطع صوته وصيته، حتى أكل الدهر علينا وشرب).

وفي نص آخر عنه (عليه السلام) أنه قال: (فلما رق أمرنا طمعت رعيان البهم من قريش فينا).

وعنه (عليه السلام): (يا بني عبد المطلب، إن قومكم عادوكم بعد وفاة النبي، كعداوتهم النبي في حياته، وإن يطع قومكم لا تؤمروا أبداً).

وعنه صلوات الله وسلامه عليه: (ما رأيت منذ بعث الله محمداً رخاءً، لقد أخافتني قريش صغيراً، وأنصبتني كبيراً، حتى قبض الله رسوله، فكانت الطامة الكبرى).

وقال له رجل يوم صفين: لم دفعكم عن قومكم هذا الأمر، وكنتم أعلم الناس بالكتاب والسنة؟!.

فقال (عليه السلام): (كانت إمرة شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين).

كما أنه (عليه السلام) قد كتب لأخيه عقيل في رسالة جوابية له: (فإن قريشاً قد اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل اليوم، وجهلوا حقي، وجحدوا فضلي، ونصبوا لي الحرب، وجدوا في إطفاء نور الله، اللهم فاجز قريشاً عني بفعالها، فقد قطعت رحمي، وظاهرت عليّ). وفي بعض المصادر ذكر (العرب) بدل قريش.

وأما بالنسبة لمعاوية الخليفة الأموي، فقد أخبر (عليه السلام): أنه لو استطاع لم يترك من بني هاشم نافخ ضرمة.

وبعد فإن الإمام الحسن (عليه السلام) قد ذكر في خطبة له أن قريشاً هي المسؤولة عن موضوع إبعاد أهل البيت عن الخلافة.

بعض ما قاله المعتزلي

هذا .. وقد أكد المعتزلي هذه الحقيقة في مواضع من شرحه لنهج البلاغة. ونحن نذكر هنا فقرات من كلامه، ونحيل من أراد المزيد على ذلك الكتاب، فنقول:

قال المعتزلي: (إن قريشاً اجتمعت على حربه منذ بويع، بغضاً له وحسداً، وحقداً ، فاصفقوا كلهم يداً واحدة على شقاقه وحربه، كما كانت في ابتداء الإسلام مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لم تخرم حاله من حاله أبداً).

وقال: (إنه رأى من بغض الناس له، وانحرافهم عنه، وميلهم عليه، وثوران الأحقاد التي كانت في أنفسهم، واحتدام النيران التي كانت في قلوبهم وتذكروا الترات التي وترهم فيما قبل بها، والدماء التي سفكها منهم، وأراقها ـ إلى أن قال: وانحراف قوم آخرين عنه للحسد الذي كان عندهم له في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لشدة اختصاصه له وتعظيمه إياه، وما قال فيه فأكثر من النصوص الدالة على رفعة شأنه، وعلى مكانه، وما اختص به من مصاهرته وأخوته، ونحو ذلك من أحوله.

وتنكر قوم آخرين له، لنسبتهم إليه العجب والتيه - كما زعموا - واحتقاره العرب، واستصغاره الناس، كما عددوه عليه، وإن كانوا عندنا كاذبين، ولكنه قول قيل، وأمر ذكر).

وقال: (فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها، حين بويع بالخلا