حـاروف شمـس العلم قمـر الشعر نجـوم الأدب

 
الصفحة الرئيسية
المغـتـربـون
محليّات الضيعة
مصمم الموقع

منوعـات عامة

مواقع إنترنت
المناسبات الدينية
إتصلوا بنا
 
 
 

ليس هناك في الأمة من يساوي أئـمـة أهــل البيت (ع) في عظمتهم وفضلهم ، ولا يباريهم في شرفهم ونسبهم ، ولا يرتفع إليهم في مقامهم ومكانتهم ، فهم عيش العلم ، وموت الجهل ...

 
 

We receive your remarks and comments upon our WebSite on:

 E-mail

 
 

لإعلاناتكم التجارية عبر موقعنا رجاء الإتصال على الهاتف رقم: 767743 /07

أو بواسطة البريد الإلكتروني:
 
 

نستقبل كافة إقتراحاتكم وملاحظاتكم عن موقعنا على البريد الإلكتروني:

 
 

عِـبـَرٌ من الحـيَـاة

الشاعر الأديب علي ضاهر شحرور

الإنسان

في أحد البلاد الجميلة الرائعة ذات الطبيعة الساحرة والروابي الخضراء التي تملؤها الزهور والأشجار وتجري من تحتها السواقي والأنهار كانت تعيش ثلاث طوائف من الناس المتدينين المتعصبين الذين يعتقدون بدين اليهودية والمسيحية والإسلام.

 

كان أولئك الناس يختلفون فيما بينهم على من يحكم ذلك البلد ويدير شؤونه وكل طائفة منهم كانت تعتقد بأن لها الحق في ذلك، ولذلك كانوا يتحاربون ويتقاتلون ويشنون الغارات على بعضهم ليلاً ونهاراً، فتارة يقتتل المسلمين مع المسيحيين، وأخرى يقتتل المسيحيين مع اليهود، وطوراً يقتتل اليهود مع المسلمين وهكذا دواليك...

 

استمر الحال بين أولئك الناس على ذلك الوضع لفترة طويلة من الزمان حتى كادت الشحناء والبغضاء تؤدي إلى هلاكهم جميعاً. ولما وصل بهم الحال إلى تلك الدرجة من الضعف والهوان قرر رؤساء تلك الأديان الثلاثة أن يجتمعوا معاً لكي يتفاهموا ويجدوا حلاً لخلافاتهم وقتالهم وينهوا تلك الحرب الأهلية الضارية التي دامت بينهم زمناً طويلاً والتي كان يذهب ضحيتها عشرات القتلى كل يوم.

 

وهكذا كان فقد التقى أولئك الرؤساء الثلاثة معاً، وبعد أن استقر بهم المكان أخذوا يتحاورون ويتجادلون وبدأ كل منهم يظهر ما كان يضمر في نفسه من حقد وضغينة ويتهم الآخرين باغتصاب حقوق أبناء دينه وبافتعال تلك الأحداث المؤلمة والحروب الدامية في ذلك البلد، وقد أدى بهم الخلاف إلى تبادل السباب والشتائم ولولا أنهم تمالكوا أنفسهم وصبروا قليلاً لكاد الجدال المحتدم بينهم أن يؤدي إلى العراك والقتال، واستمروا هكذا لبضع ساعات إنما دون أن يصلوا في النهاية إلى أي حل أو أن يتفقوا على شيء، ولما وجدوا أن اجتماعهم لم ولن يؤدي إلى فائدة ترتجى اتفقوا فيما بينهم على هدنة مؤقتة آملين أن يعودوا ويجتمعوا في وقت لاحق لعلهم يصلون إلى حل لخلافاتهم وحروبهم.

 

بعد أن انفض الاجتماع وذهب كل من أولئك الرؤساء الثلاثة إلى حاله أخذ كل منهم يفكر في أمره وكيف أنه سيجد الوسيلة التي تمكنه من الانتصار على أعدائه لكي يعيش هو وأبناء دينه بسلام وأمان ودون أن ينازعهم في حكم ذلك البلد أحدا، فخطر في ذهن الرئيس المسيحي وبعد تفكير طويل أن يجتمع بالرئيس المسلم سراً ويتحالف معه على محاربة اليهود لأنه كان يرى أن خطر اليهود علي المسيحيين أقوى وأشد من خطر المسلمين، فاليهود في اعتقاده هم قوم متكبرون وحاقدون ولا يضمرون إلاّ الشر والكراهية لجميع الناس وأنهم يرغبون في السيطرة على هذا العالم كله لو هم استطاعوا ذلك، ومن جهة أخرى فقد رأى أن وجود عدو واحد أفضل من وجود عدوين اثنين، ولم ينتظر الرئيس المسيحي طويلاً لتحقيق ما كان يفكر فيه فدعا الرئيس المسلم على الفور وأعلمه بما عزم عليه من تحالف المسيحيين والمسلمين ضد اليهود.

 

كان المسلم يستمع إلى كلام المسيحي وهو لا يصدق ما يسمع وكأن المسيحي كان قد عبّر عما كان يدور في فكره وقد سبقه لإعلان ذلك، وفي الحقيقة لم يكن هدف المسلم يختلف كثيراً عن هدف المسيحي، فقد كان المسلم يفكر أيضاً أنه حين يتحالف المسلمين والمسيحيين ضد اليهود وينتصرون عليهم يكون المسلمون بذلك قد أزاحوا عبأً ثقيلاً عن كاهلهم ولا يبقى أمامهم إلاّ عدو واحد وهم المسيحيين فيتفرغوا بعد ذلك لمحاربتهم أو يجدوا حلاً لهم.

 

لم يتردد المسلم لحظة واحدة في قبول ما عرض عليه المسيحي فوافق في الحال على ذلك وأخذ الرجلان يتفاهمان معاً ويخططان للحرب ضد اليهود، وبعد أن اتفقا على كل شيء خرجا وجهزا الجيوش وأعدا العدة ثم شنا بعد ذلك حرباً ضارية على أولئك اليهود، وما هي إلاّ شهور قلائل حتى كان أكثر اليهود في ذلك البلد قد لاقوا حتفهم ولم ينجو منهم إلاّ عدد قليل جداً وقد فر أولئك الناجون إلى بعض البلدان الأخرى في هذا العالم.

 

وهكذا انتهى ذكر اليهود في ذلك البلد وبقي فيه المسيحيون والمسلمون وعادت الأمور إلى ما كانت عليه في السابق وبدأ المسيحيون والمسلمون يشنون الغارات على بعضهم البعض من جديد إلى أن عاد الرئيس المسيحي والرئيس المسلم واجتمعا معاً لكي يجدا حلاً.

 

لحربهم تلك، لكنهما وبعد حوار وجدال طويلين لم يتوصلا إلى أي حل لوقف تلك الحرب الدامية فعادا بعد ذلك من حيث قدما، ثم استمرت الحرب بين المسلمين والمسيحيين لفترة أخرى من الزمان كان خلالها المسلمون قد قرروا أخيراً إنهاء تلك الحرب الدامية إما بالنصر أو الموت فاستبسلوا في القتال وأبلوا فيه بلاءً حسناً حتى حققوا النصر المبين على المسيحيين وكادوا يبيدونهم لولا أنهم رحلوا من ذلك البلد وتشتتوا أيضاً في بلاد هذا العالم كما تشتت اليهود من قبل.

 

وهكذا استقام الأمر للمسلمين في ذلك البلد واستتب فيه الأمن واستراحوا من الحروب، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فبعد فترة قصيرة من الزمن ظهرت هناك جماعة جديدة من المسلمين أنفسهم كانت ترى أن الحاكمين في ذلك البلد لا يطبقون الشريعة الإسلامية ولا يحكمون بين الناس بالعدل وأنهم يظلمون الناس ويفعلون كل ما يتناسب مع مصالحهم ويصنعون أي شيء للبقاء في الحكم، وما هي إلاّ أسابيع قلائل حتى كانت تلك الجماعة الجديدة من المسلمين قد جهزت العدة للحرب وعزمت على الإطاحة بأولئك الحاكمين وأتباعهم فبدأت حينها الحرب المميتة بين المسلمين أنفسهم حتى أدت في النهاية إلى موت معظم الناس ولم يبقى منهم إلاّ نفر قليل جداً كان الحظ قد حالفهم وبقوا على قيد الحياة.

 

بعد أن خمدت نيران الحروب وهدأت ثوراتها في ذلك البلد وقف حينذاك رجل صالح كان قد حالفه الحظ وبقي حياً على رابية من الروابي الخضراء الجميلة التي تطل على ذلك البلد وأخذ ينظر إلى الأطلال المتبقية من المنازل والديار وإلى الجثث الرثة التي ما زالت ملقاة هنا وهناك والتي كانت تعج فيها الديدان وتنهشها الطيور الكاسرة والحيوانات المفترسة فدمعت عيناه من هول تلك المشاهد التي تقشعر لها الأبدان وتفتت قلبه حزناً وأسفاً وتسائل بينه وبين نفسه عن الأسباب التي تدفع بالإنسان لكي يفعل مثل ذلك بأخيه الإنسان ودونما شفقة أو رحمة ثم أخذ يردد ويقول:  ترى على ما يقتتل الناس ويبيد أحدهم الآخر؟ هل هم يقتتلون من أجل السيطرة والنفوذ وامتلاك الأرض وخيراتها؟ أم أنهم يقتتلون من أجل الدين والعقيدة؟ أم من أجل الحق والعدل؟ أم أن تلك هي إرادة الله؟  

وصمت ذلك الرجل للحظات ثم عاد يخاطب نفسه ويقول: إذا كان الناس يقتتلون من أجل السيطرة والنفوذ والرغبة في التملك، فأين هم الآن يا ترى من كل ذلك؟ فأنا لا أرى إلاّ جثثاً باليةً وخراباً ودماراً.

وإذا كان الناس يقتتلون من أجل الدين والعقيدة، فليس هنالك من شريعة في الوجود تبيح القتل من أجل الدين وتسمح بأن يعتدي إنسان على آخر، بل هي تدعو إلى التسامح والمحبة والسلام وتُحّرِم الاعتداء والقتل.

أما إذا كان الناس يقتتلون من أجل الحق والعدل فتلك هي الخطيئة الكبرى، أليس الحق هو كلام الله والعدل هو شريعته، فكيف يكون على الحق من يقتل ويسفك الدماء، وكيف يكون عادلاً من يعتدي ويظلم؟

وإن كان الناس يقتتلون ويفني أحدهم الآخر لأن تلك هي إرادة الله، فكيف يُعقل ذلك؟ ألم يبعث الله الأنبياء والرسل لكي يردعوا الناس عن فعل القتل والظلم.

 

لا أدري لماذا يصر الإنسان على مثل تلك الأفعال وهو يعلم جيداً أنها في غاية الوحشية وبعيدة جداً عن الإنسانية، أتراها ماتت الرأفة والرحمة في نفس الإنسان وقسا قلبه حتى أضحى كالجماد لا يحس ولا يشعر؟ لست أدري ما حل بالإنسان، لست أدري.

 

كان ذلك الرجل يتساءل ويتساءل والحيرة تعصف بأفكاره والحسرة والحزن يعصران قلبه، وبينما هو كذلك فإذا به يسمع صوتاً منبعثاً من بين الجثث والدمار. صوتاً ارتعدت لدى سماعه فرائصه واقشعر له بدنه وهو يردد ويقول: إنه الضمير أيها الإنسان... إنه الضمير، فمتى مات الضمير فعل الإنسان كل شيء.

 

ألا تعلم أيها الإنسان أن الضمير هو الحارس الأمين الذي يراقب أفعال الإنسان ويحرس النفس ويردعها عن الهوى، وهو ميزان العدل في النفس، فحينما يموت الضمير يصبح الإنسان بلا حارس أو رقيب فيفعل حينذاك كل ما هو متاح أمامه من أفعال كالظلم والقتل وينغمس في بحر المطامع والرغبات والشهوات، وَمَثَلُ ذلك الإنسان كمثل السفينة التي مات ربانها وأخذت تتقاذفها الأنواء والأعاصير حتى غرقت في لجة البحر العميق.

أجل أيها الإنسان، إنه الضمير الذي هو أصل الإنسانية في الإنسان، فمتى مات الضمير ماتت معه إنسانية الإنسان.

 

كان ذلك الرجل يصغي بكل جوارحه إلى ذلك الصوت المنبعث من بين الجثث والدمار، وبالرغم من أنه لم يكن يرى أحداً فقد وجه كلامه نحو مصدر الصوت وقال: بالله عليك قل لي أيها المجهول، ما الذي يميت الضمير في الإنسان؟

وأجابه الصوت قائلاً: إنه عدم الإخلاص في طاعة الله والاعتقاد الخاطئ بالدين، فحين لا يؤمن الإنسان بالله إيماناً صادقاً من خلال عقله وقلبه ولا يلتزم بشرائعه وأحكامه ولا يخاف عقابه، حينئذٍ يطغى الهوى على النفس فيموت الضمير في الإنسان.

قال الرجل: وهل هنالك من سبيل لإحياء الضمير عند الإنسان؟

أجابه الصوت: لقد مات الضمير في معظم الناس منذ زمن بعيد وربما منذ زمن قابيل وهابيل ولا يحي الميت إلاّ الله، أو من كان يؤمن بالله حقاً.

وحاول ذلك الرجل الصالح أن يتابع حديثه مع ذلك المجهول، لكنه لم يتمكن من ذلك فقد صمت ذلك الصوت وكأنه تلاشى في أعماق تلك الجثث أو غاب بين الدمار والخراب فعاد ذلك الرجل حينئذٍ من حيث أتى وهو يردد ويقول:

يا أسفي وحسرتي على الإنسان... يا أسفي وحسرتي على الإنسان...
 
 
 

العـودة إلى فهرس عبر من الحياة

 
 
 

 

الصفحة الرئيسية المغـتـربـون مصمم الموقع منوعـات عامة مواقع إنترنت المناسبات الدينية إتصلوا بنا