أقوى من جبروتكم
لقد أرغمها أهلها على الزواج من ابن
عمها رغم أنها لا تحبه، وقد عارضت ذلك الزواج بكل قوتها ولكن دون جدوى،
فماذا تقدر أن تفعل تلك الفتاة الضعيفة أمام إرادة أهلها وجبروتهم،
وكان هدف أهلها بزواجها من ابن عمها هو إبعادها عن حبيبها الذي أحبته
وأحبها لأكثر من أربع سنوات حباً لا يوصف، بل أنها كانت تعشقه ويعشقها.
تزوجت أخيراً ورحلت إلى بيت زوجها وقد
قررت بينها وبين نفسها أن تُخلِص لزوجها وتحاول أن تنسى معه ذلك الحبيب
الذي يسري حبه كالدم في عروقها.
مرّت بضعة أشهر على زواجها، وقد قاست
خلال تلك الفترة من العذاب والآلام على فراق الحبيب ما قاست، فلا هي
استطاعت أن تحب زوجها رغم أنه كان يعاملها معاملة حسنة، ولا هي استطاعت
أن تنسى ذلك الحبيب الذي مازال طيفه يلاحقها باستمرار.
وهكذا إلى أن كانت ليلة من ليالي الشتاء
العاصفة القاسية، حيث كانت الريح تدوي وتعصف في كل الأرجاء، وكان المطر
ينهمر من السماء بغزارة وقد غطت المياه الطرقات والشوارع.
وقفت تلك المرأة حينذاك تتأمل قطرات
الماء وهي تتساقط على زجاج نافذتها، وقد أحسّت في تلك اللحظات وكأن
قطرات الماء تلك هي قطرات من دمها تنزف على ذاك الزجاج، فانقبض قلبها
وأخذت تفكر بذاك الحبيب وعادت بها الذكرى إلى الأيام التي مضت وسألت
نفسها:
يا ترى أين هو الآن وماذا يفعل وكيف هي
أحواله، فهاجت حناياها لذكره وثارت عواطفها وأخذت دموعها تنهمر على
وجنتيها كانهمار ذاك المطر المتساقط من السماء، ومن حيث لا تشعر وجدت
نفسها تنزل إلى الشارع تسير وتسير وهي لا تدري إلى أين تذهب وقد بللت
المياه ثيابها وجسدها ولم تشعر إلاّ وهي قد قاربت المكان الذي كانت
تلتقي فيه مع حبيبها.
ما إن اقتربت من الشجرة التي كانت تجلس
تحت ظلالها هي وحبيبها حتى لمحت هناك خيال إنسان ما، فدنت أكثر وأكثر
حتى اقتربت منه وصرخت على الفور بأعلى صوتها: حبيبي ... حبيبي...
ومن حيث لا تشعر اندفعت نحوه وارتمت بين
أحضانه وعانقته وقبلته وعانقها هو الآخر وقبلها وانهمرت الدموع من
مقلتيهما بغزارة وامتزجت بدموع المطر التي كانت تبلل وجهيهما.
يا لها من لحظات شعرا فيها بنشوة الحياة
تجري في عروقهما، وكأنهما عادا إلى الحياة من جديد، وضنا أن معجزة من
السماء قد حصلت.
ولكن ذلك اللقاء هناك لم يكن معجزة من
السماء، فقد علمت تلك الحبيبة من حبيبها أن وجوده في ذلك المكان لم يكن
صدفة، إنما هو كان يقضي معظم وقته هناك، وأنه كان يرغب في أن يموت
ويُدفن في ذلك المكان الذي كانا يلتقيان فيه.
وهكذا التقى الحبيبان في تلك الليلة
العاصفة الممطرة القاسية، وقررا أن يذهبا معاً إلى حيث لا يعلم
بمكانيهما أحداً وأن يبقيا معاً إلى آخر العمر.
وقد حفرت تلك الحبيبة على جذع الشجرة هناك العبارة التالية:
حبنا أقوى من جبروتكم...