حـاروف شمـس العلم قمـر الشعر نجـوم الأدب

 
الصفحة الرئيسية
المغـتـربـون
محليّات الضيعة
مصمم الموقع

منوعـات عامة

مواقع إنترنت
المناسبات الدينية
إتصلوا بنا
 
 
 

ليس هناك في الأمة من يساوي أئـمـة أهــل البيت (ع) في عظمتهم وفضلهم ، ولا يباريهم في شرفهم ونسبهم ، ولا يرتفع إليهم في مقامهم ومكانتهم ، فهم عيش العلم ، وموت الجهل ...

 
 

We receive your remarks and comments upon our WebSite on:

 E-mail

 
 

لإعلاناتكم التجارية عبر موقعنا رجاء الإتصال على الهاتف رقم: 767743 /07

أو بواسطة البريد الإلكتروني:
 
 

نستقبل كافة إقتراحاتكم وملاحظاتكم عن موقعنا على البريد الإلكتروني:

 
 

عِـبـَرٌ من الحـيَـاة

الشاعر الأديب علي ضاهر شحرور

جنّـة الخــُلـد

زعموا أنه في جهة ما من هذه الأرض وفي مكان قاحل ومقفر لا يوجد فيه زرع ولا نبات حتى ولا ماء، توجد جنة إسمها (جنة الخلد)، وأن الوصول إلى تلك الجنة ليس بالأمر السهل إنما يحتاج الإنسان لذلك إلى القوة والصبر وتحمل المصاعب لوعورة الطريق إليها وطول المسافة، وأنه لا يدخلها إلاّ المؤمنون، وقد كان قليلاً جداً من الناس من يحالفهم الحظ ويصلون إلي تلك الجنة، ومن الناس من كان يرجع من حيث أتى لعدم قدرته على متابعة الرحلة، ومنهم من كان يموت في الطريق لنقصٍ في الزاد أو الماء أو بسبب المرض، ومنهم من كان لا يجد تلك الجنة أصلاً.

صادف في عصر ذات يوم أن التقى بالقرب من ذلك المكان ثلاثة من الرجال الذين كانوا يرغبون بدخول تلك الجنة، وقد كان الأول يمتطي جواداً والثاني يركب ناقة والثالث كان قد أكمل سيره مشياً على الأقدام بعد أن ماتت دابَّته في الطريق.

تبادل أولئك الرجال الثلاثة التحية ثم جلسوا معاً يريحون أنفسهم ودوابـهم من عناء السفر ومشقة الطريق، وبعد أن استراحوا أخذ كل منهم يسأل الآخر عن سبب قدومه إلى مثل هذا المكان المقفر الذي لا تلوح فيه أية بادرة للحياة، فتبين لهم أن كل واحد منهم كان قد أتى من جهة ما من هذه الأرض وهو يقصد جنة الخلد، وتبين لهم أيضاً أن عقيدة كل منهم كانت تختلف عن عقيدة الآخر، فكان الأول مسيحياً، والثاني مسلماً، والثالث يهودياً.

إذاً، رغم اختلاف عقيدة كلٍ من أولئك الرجال الثلاثة فقد كان هدفهم واحد وهو دخول جنة الخلد، وبما أن أحداً منهم لم يكن يعرف الطريق إليها فقد اتفقوا على أن يذهبوا معاً في صباح الغد ويبحثوا عن تلك الجنة لعل الحظ يحالفهم ويجدوها فيدخلوها جميعاً بسلام آمنين، ثم خلدوا بعد ذلك إلى النوم وغطوا في نوم عميق من شدة التعب الذي أصابهم خلال رحلتهم الشاقة تلك.

في صباح اليوم التالي استيقظ أولئك الرجال باكراً ثم انطلقوا للبحث في تلك الأرض الواسعة العريضة القاحلة عن جنة الخلد، وأثناء سيرهم في الطريق كان الرجل اليهودي الذي لا يملك دابَّة يركب مرة خلف الرجل المسيحي مالك الجواد وأخرى خلف الرجل المسلم مالك الناقة، وكانوا كيفما ينظرون لا يرون سوى السراب ولا يشعرون إلاّ بحرارة الشمس تلفح وجوههم وتكوي أجسادهم، لكنهم كانوا يصبرون ويتحملون ويمنّون أنفسهم بدخول الجنة لأنهم يعلمون أن الوصول إليها ودخولها ليس بالأمر السهل. واستمروا هكذا يبحثون طيلة النهار فيستريحون مرة ويسيرون أخرى إلى أن جاء المساء دون أن يعثروا على شيء، فجلسوا حينئذٍ يستريحون وأخذوا يتحدثون في أحوالهم وبأمر تلك الجنة فبادرهم اليهودي بالكلام قائلاً: أظن أننا خُدعنا فأنا بدأت أعتقد بأن لا وجود لجنة الخلد تلك لا في هذا المكان ولا في أي مكان آخر.

رد عليه المسيحي: تمهّل يا أخي ولا تفقد الأمل فربما أرسل الرب إلينا بشرى من عنده وأرشدنا إلى مكان وجودها.

قال المسلم: أنا أعتقد بأننا للآن لم نبحث جيداً عن تلك الجنة وما علينا إلاّ أن نصبر قليلاً لعلنا نجدها.

قال المسيحي: ما أدراكم يا أخوتي فربما أراد لنا الرب أن لا نهتدي إليها.

قال اليهودي: كيف يريد لنا الرب أن لا نهتدي إليها، ألم يعدنا بها نحن المؤمنون، فهل يريد الرب الآن أن يخلف وعده أم ماذا؟.

ورد المسيحي على اليهودي: صبراً يا أخي، فربما لا زلنا نحمل في أنفسنا بعض الخطايا، فلنصلي للرب يسوع لكي يطهرنا ويخلصنا من جميع خطايانا حتى نستحق أن ندخل جنة الخلد.

قال المسلم يسأل المسيحي: نحن المسلمون نصلي لله خالق الأنبياء وليس للأنبياء، وهل المسيح هو الذي سيخلص البشر من خطاياهم أم أن أعمال الإنسان هي التي ستدخله الجنة أو تقصيه عنها؟

المسيحي: لا. لن يدخل الجنة أحد من البشر إن لم يكن يعتقد بالرب يسوع ويتبع تعاليمه.

المسلم: وما هي برأيك تعاليم السيد المسيح؟.

المسيحي: أيوجد هنالك من يجهل تعاليم الرب يسوع، فهو قد أمرنا بأن لا نفعل الأمور القبيحة كالسرقة والزنى والقتل والإضرار بالناس وما إلى ذلك، وأوصانا بفعل أعمال الخير ومساعدة المحتاجين وأن نحب جميع الناس كما نحب أنفسنا وهكذا...

المسلم: إذن فأعمال الإنسان هي التي تقرر مصيره في النهاية وليس عيسى المسيح.

المسيحي: إن لم يؤمن الإنسان بأن الرب يسوع هو المخلص للعالم فلن يدخل جنة الخلد مهما فعل، وأي عمل يفعله الإنسان دون أن يباركه الرب يسوع فإنه سيذهب هباء.

المسلم: وماذا عن الأنبياء والرسل الآخرين والناس الذين يعتقدون بتعاليمهم، وماذا برأيك سيكون مصيري ومصير رفيقنا اليهودي لو أننا وجدنا جنة الخلد التي نبحث عنها، أنحرم من دخولها لأننا لسنا على دينكم والذي سيدخلها أنت وأمثالك فقط؟.

قال المسيحي: أجل هذا ما أعتقده يا أخي فأنتما قد أتعبتما أنفسكما وتحملتما مشقة السفر بالمجيء إلى هنا دون طائل، والأفضل لكما أن تعودا الآن من حيث أتيتما لأنكما لن تجنيا في النهاية إلاّ الحسرة والندم.

لقد أثار كلام المسيحي الغضب في نفس اليهودي فرد عليه قائلاً: نحن اليهود لا نعتقد إلاّ بالتوراة وبالنبي موسى ونؤمن بأنه هو المخلص الوحيد للبشر، ولا نعترف بعيسى ولا بمحمد ونرفض أي دين آخر غير الدين اليهودي، وفي اعتقادنا أنه لن يدخل تلك الجنة إلاّ اليهود المؤمنون.

قال المسيحي: لا. لا تخطيء يا أخي اليهودي فأنت تعلم جيداً بأن الله إنما أرسل ابنه الوحيد عيسى بعد النبي موسى لكي يصحّح ما أفسده اليهود من تبديل وتحريف في بعض تعاليم التوراة، وليخلص العالم من ذنوبهم إن هم آمنوا به واتبعوه.

وهنا تدخل المسلم وخاطب المسيحي: إذن أنت قد آمنت بالسيد المسيح(ع) لأنه جاء ليصحّح ما قد حرّفه اليهود في التوراة بعد النبي موسى(ع)، فلماذا إذن لا تؤمن بالنبي محمد(ص) الذي جاء ليصحّح ما قد حرّفه المسيحيون في الإنجيل بعد السيد المسيح؟ وَمَثَلَكَ هنا كَمَثَلِ اليهودي، فهو حين جاء السيد المسيح لم يعتقد بأنه رسول الله ثم بقي على دينه، وأنت حين جاء النبي محمد لم تعتقد بأنه رسول الله ثم بقيت على دينك، فلماذا تلومه إذن وأنت وهو في الأمر سواء.

أجاب المسيحي: لا. لم يتغيّر في الإنجيل من شيء، وأنا لا أصدق بأن محمداً هو رسول الله لأنه قد جاء بعد الرب يسوع، وكيف يُعقل أن يرسل الله رسولاً للناس بعد أن أرسل إليهم ابنه الوحيد؟

قال المسلم: ذلك هو خطأك أيها المسيحي فأنت تتبع دينك من خلال قلبك فقط، وقد شغفك حب عيسى حتى غدا قلبك لا يشعر بحب أحد سواه، ولو أنك اتبعت العقل والمنطق فيما تعتقد لظهرت لك الحقيقة جلية وواضحة وآمنت بالنبي محمد وبما جاء في القرآن.

قال المسيحي: أجل أنا أحب الرب يسوع أكثر من حبي لنفسي وأعتقد بديني من خلال قلبي، أوليس الاعتقاد بالدين مصدره القلب؟

قال المسلم: حين يعتقد الإنسان بالدين من خلال قلبه فقط ولا يتأكد من صحة ذلك الدين من خلال عقله فإنما يكون كالجاهل الذي لا يفقه شيئاً، أو كالأعمى الذي لا يرى النور، فالاعتقاد بالدين لا يكون اعتقاداً سليماً إلاّ إذا كان من خلال القلب والعقل معاً، لأن القلب هو باب الإيمان إلى النفس والعقل هو مفتاح ذلك الباب، فإن لم يتيقن الإنسان من صحة وسلامة دينه من خلال عقله وفكره يكون إيمانه حينئذٍ إيماناً ناقصاً وليس سليماً.

قال المسيحي: قل ما شئت أيها المسلم، فكلامك هذا لن يغير في اعتقادي شيئاً، وكيف تريدني أن أعتقد بالقرآن، والقرآن يقول بأن الرب يسوع ليس ابن الله وأنه لم يصلب؟ وهنالك أمور أخرى كثيرة في القرآن تتناقض مع عقيدتي.

قال المسلم: صدقت أيها المسيحي، فكيف ستعتقد بالقرآن وأنت لا تفقه ما جاء في القرآن ولا تريد أن تستعمل عقلك في فهم الأمور، ولذلك لا بد لي الآن من توضيح بعض الأمور لعلك تقتنع وتظهر لك الحقيقة، فإذا كان عيسى ابن الله وأنه قد صلب فذلك يعني ما يلي:

أولاً: أن الله قد تزوج من السيدة مريم العذراء، وجلّ الله وعلا أن يفعل مثل ذلك لأن الله ليس بحاجة للزواج والأولاد فهو إن أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، وقد أجابكم الله في القرآن الكريم على كيفية خلق عيسى بقوله:

]إِنَّ مَثَلَ عِيْسَى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ~59[آل عمران 3.

فأي الأمرين برأيك يدعو إلى العجب أكثر من الآخر، أن يخلق الله بشراً من دون أب كعيسى، أو أن يخلق بشراً من دون أب ولا أم كآدم؟. وانظر كذلك إلى خلق حواء التي خلقها الله من أحد أضلاع آدم، أوليس في خلق حواء مثل آخر على خلق عيسى؟

ثانياً: عندما يكون عيسى ابن الله فمن الطبيعي أن يكون لديه القدرة على فعل أي شيء شأنه في ذلك شأن الله أبيه، فماذا خلق عيسى يا ترى وأين هي مخلوقاته؟ هل هو الذي خلق الإنسان والحيوان، أم هو الذي أنبت الزرع والثمرات، أم هو الذي خلق السماوات والأرض والكواكب والنجوم، أم أنه أوجد الماء والهواء، أم أن بيده أمر الحياة والموت؟ إنه بالتأكيد لم يخلق شيئاً وليس بقادر على أن يخلق أي شيء، وحين يكون عيسى غير قادر على أن يخلق شيئاً فهو إذن ليس بإله ولا إبن إله.

ثالثاً: أنتم تدعون بأن عيسى قد صلب وتحمل العذاب والآلام من أجل أن يخلص الناس من خطاياهم ليدخلوا الجنة، ثم تقولون أنه لا يدخل الجنة إلاّ من يؤمن بالسيد المسيح ويتبع تعاليمه، أوليس في ذلك تناقض واضح وجلي، فإذا كان عيسى قد دفع حياته ثمناً لكي يدخل الناس الجنة فلماذا إذن يشترط عليهم أن يؤمنوا به ويتبعوه؟ أوليس في طلبه ذاك إلزامٌ للناس على إتباعه، فهو يريد من الناس إذن أن يؤمنوا به ويتبعوه مقابل إدخالهم الجنة وليس هبة منه أو تضحية كما تقولون، وتقولون أيضاً بأن التعذيب والصلب الذي تعرض له عيسى كان لا بد منه من أجل خلاص الناس من تلك الخطيئة التي ارتكبها أبونا آدم وأمنا حواء، فإذا كان آدم وحواء قد فعلا خطيئة ما، فما ذنب باقي البشر يا ترى؟ وهل أحاسب أنا على خطيئة ارتكبها أبي أو جدي أو أخي أو أي أحد من الناس، فهل في ذلك عدلاً؟ وإذا كان عيسى هو ابن الله الحبيب فأي أب عطوف وحنون ذاك الذي يلقي بابنه إلى التهلكة والعذاب ويسمح للناس الضعفاء السفلة أن يهينوه ويعذبوه ويصلبوه ويسيلوا دمه، وكل ذلك من أجل خطيئة ارتكبها غيره من البشر، أي آدم وحواء. أولم يعاقب الله آدم وحواء على خطيئتهما تلك بإخراجهما من الجنة ثم تابا بعد ذلك وغفر الله لهما وانتهى الأمر. أليس من تعاليم عيسى الأساسية هي الدعوة إلى المحبة والسلام والتسامح والمغفرة، فإذا كان عيسى يدعو إلى ذلك، فما بالك إذاً بالله العظيم الغفور الرحيم خالق عيسى وجميع ما في الكون والذي يقول للشيء كن فيكون، فهل يعقل أن تتهمونه بعدم المغفرة والتسامح وتصرون على أن خطيئة آدم وحواء قد ورثها جميع البشر ولن يغفر الله تلك الخطيئة للبشر إلا بصلب عيسى وإسالة دمه وأنه لن يدخل الجنة إلا من آمن بعيسى واتبعه بالرغم من أن الله قد عاقب آدم وحواء على خطيئتهما ثم غفر لهما بعد ذلك.

إذاً فإدعاء الصلب والخلاص باطل، والذي يفعل الخطيئة هو وحده من يستحق العقاب، والله يغفر لمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء فهو يعلم من يستحق الجنة ومن يستحق النار.

رابعاً: كيف يسمح الله وابن الله أن يأتي أحدٌ من الناس بدين جديد ويدعي أنه رسول من الله ويقول للناس بأن عيسى ليس ابن الله، فلماذا لم يأتي إليه عيسى حينذاك كما جاء من قبل حين حرف اليهود في تعاليم التوراة ويقول له بل أنا ابن الله ويمنعه من نشر دعوته؟ ألا يستدعي مثل هذا الأمر الخطير حضوره إلى الأرض؟ أوليس ظهور دين جديد مخالف لدين عيسى هو أخطر بكثير من تحريف تعاليم التوراة؟ إذاً فعدم وجود عيسى في ذلك الحين دليل واضح وقاطع على أن ما قاله النبي محمد هو قول الحق؟.

خامساً: ترى هل أن عيسى كان قد تزوج في حياته أم لا؟.

إذا كان الجواب بأن عيسى ليس بحاجة للزواج لأنه رب، فالتناقض إذاً واضح في ذلك، فكيف يتزوج الرب الأب وينجب إبناً ولا يتزوج الرب الإبن؟.

وإذا كان عيسى قد تزوج ولم ينجب الأولاد، ففي ذلك دليل واضح على أن عيسى كان عقيماً لا يقدر على إنجاب الأولاد وأنه ليس إلاّ إنسان وعبد من عباد الله، أولم يكن عيسى يأكل الطعام ويشرب الماء وينام ويفرح ويحزن ويتألم شأنه في ذلك شأن باقي البشر، وهل الإله بحاجة لمثل ذلك؟

وقد قال الله تعالى:

]مَّا المَسِيْحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآَيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ~59[ المائدة 5.

إذاً لم يكن عيسى ابن مريم سوى إنسان يحس ويشعر كباقي الناس، ولكن الله اصطفاه وجعله رسولاً لكي يهدي الناس إلى دين الله الحق.

وختم المسلم كلامه بعبارة حاسمة لكي ينهي جداله مع المسيحي فقال:

أما بالنسبة للأمور الأخرى التي تعتقدون بها والتي خالفها القرآن فهي ستسقط تلقائياً بمجرد سقوط الإدعاء بأن عيسى ابن الله، فالذي يجعلكم تعتقدون بكل تلك الأمور إنما يعود إلى اعتقادكم بأنه ابن الله، وحين يكون عيسى إنساناً كباقي البشر فإنه سيكون حينئذٍ أضعف من أن يخلّص نفسه، ولو أراد له الله أن يقع في المعصية فمن ذا الذي سيعصمه منها، والذي يعصم الأنبياء والرسل ويهبهم القدرة على فعل أي شيء إنما هو الله وحده.

بعد أن أنهى المسلم كلامه بادر المسيحي وبعد صمت طويل إلى الكلام وقال:

إن الرب يسوع ليس إنساناً كباقي البشر كما تقول إنما هو ابن الله وقد تحول بجسده إلى إنسان وجاء إلى الأرض لكي يعذب ويصلب ويسيل دمه فداءً للناس الذين يؤمنون به ويتبعونه فيخلصهم من خطاياهم ويدخلون الجنة بعد ذلك، والرب يسوع كان خلال وجوده على الأرض قد فعل المعجزات العظيمة، كإحياء الميت وشفاء المريض وإعادة البصر للأعمى وغير ذلك من المعجزات.

وهنا تدخل اليهودي فقال: إذا كان الأمر يعود إلى فعل المعجزات فالنبي موسى أيضاً كان قد فعل المعجزات، فهو قد فجر الماء من الحجارة وحوّل عصاه إلى ثعبان عظيم وأنزل المن والسلوى من السماء ثم أنه فلق البحر بعصاه وغير ذلك من المعجزات.

قال المسيحي: لكن المعجزات التي فعلها الرب يسوع لا يقدر على فعلها إلا الإله فقط، وهي تختلف كثيراً عن المعجزات التي فعلها النبي موسى أو غيره من الأنبياء، هذا إذا كان النبي موسى أو غيره من الأنبياء قد فعلوا المعجزات بالفعل.

قال اليهودي: إذا كنت لا تعتقد بأن النبي موسى كان قد فعل المعجزات، فما هو دليلك إذاً على أن عيسى قد فعل المعجزات؟

وصمت المسيحي ولم يجب على سؤال اليهودي فقال المسلم:

لقد احترنا في أمرك أيها المسيحي، فتارة تقول أن عيسى هو ابن الله وهو إله، وتارة أخرى تقول أنه تحول إلى إنسان لكي يعذب ويصلب ويخلص الناس من خطاياهم، فأيهما هو عيسى على الأرض؟ هل هو إنسان أم إله؟ فلا يعقل أن يكون الإله إلهاً وإنساناً في آن معاً، وبما أن عيسى كان يعيش على الأرض كباقي البشر وكان يأكل الطعام ويشرب الماء وينام ويفرح ويحزن ويتألم ويحس ويشعر شأنه في ذلك شأن باقي البشر فهو إذاً ليس إلا إنسان كباقي الناس.

 

وأما بخصوص المعجزات التي فعلها عيسى المسيح فيجب أن تعلم أيها المسيحي بأن كل نبي من الأنبياء كان في زمانه قد فعل المعجزات التي لا تقل في عظمتها وقوتها عن المعجزات التي فعلها عيسى المسيح في زمانه، فهل تعتقد أن الإنسان الذي يخرج من وسط النار الملتهبة حياً ودون أن تمسه النار بسوء كالنبي إبراهيم، والإنسان الذي يفلق البحر بعصاه ويحولها إلى ثعبان عظيم ويفجر بها الماء من الحجارة كالنبي موسى، والإنسان الذي يتكلم ويفهم لغة الطير والحيوان كالنبي سليمان، والإنسان الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ويأتي بكتاب عظيم فيه علم الأولين والآخرين ويعجز على الإتيان بمثله أي مخلوق من البشر وهو القرآن الذي جاء به النبي محمد. أتعتقد فعلاً أن مثل تلك المعجزات تقل في عظمتها عن المعجزات التي فعلها عيسى المسيح؟ إن كنت تعتقد بذلك حقاً فإما أنك متعصب وعنيد، وإما أنك لا تملك القدرة على التمييز بين الحق والباطل، والذي فعله أولئك الأنبياء من المعجزات لم يكن بالطبع بقدراتهم وإرادتهم بل بقدرة الله تعالى ومشيئته، إذاً ليس هنالك من فرق بين ما فعله عيسى المسيح وما فعله أولئك الأنبياء من المعجزات لأنها كلها من فعل الله، ولو كان أيّاً منهم يملك القدرة الذاتية على فعل أي شيء لكان أقل ما يفعله هو أن يرد الموت عن نفسه، ولو اعتقدنا أن كل من يفعل المعجزات من الأنبياء هو رباً أو إلهً لامتلأت السماوات بالآلهة ويا ويل البشر عندئذٍ من غضب الآلهة، وإن كان في هذا الكون أكثر من إله أو خالق لما كنا نحن البشر متشابهين في الخلق وكذلك باقي المخلوقات وربما قد تنشب الحروب المدمرة بين أولئك الآلهة ليذهب كل إله بما خلق وذلك ما لم يحصل لحد الآن، وقد أجاب الله في القرآن على الذين يدّعون ذلك بقوله:

 

]لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ~22[ الأنبياء 21.

قال المسيحي: رغم أن كلامك أيها المسلم فيه شيء من المنطق والإقناع فأنا لا أملك حتى الجرأة على تصديقه وأشعر أحياناً بالخوف لمجرد تفكيري بأي أمر يتنافى مع عقيدتي، ولست أدري فربما يعود ذلك إلى التربية التي نشأت عليها، وعلى كل حال إني آمل أن تكون عقيدتي هي العقيدة الحق وأدخل تلك الجنة.

قال المسيحي ذلك ثم وجه كلامه لليهودي وهو يبتسم:

أنت تعلم أيها اليهودي أنك لا تملك دابَّة تركبها، أما أنا فأملك جوادي والمسلم لديه ناقته، فلو أننا ذهبنا في الغد نبحث عن جنة الخلد دون أن نصطحبك معنا وتركناك هنا في هذا المكان القاحل المقفر الواسع، فماذا ستفعل حينئذٍ؟.

قال اليهودي: لا عليك، فأنا أعتقد بأن ربي سوف يساعدني ويوصلني إلى تلك الجنة ولكن قل لي أنت، لو أنك استيقظت في الصباح ووجدت جوادك ميتاً ورفض المسلم اصطحابك معه على ناقته فماذا ستفعل، ومن ذا الذي سيساعدك يا ترى؟.

قال المسيحي: كما أن ربك سيساعدك فكذلك ربي يسوع المسيح، فهو لن يتركني وحيداً وسيرسل إلي من ينقذني ويوصلني إلى جنة الخلد. 

قال اليهودي: إذاً هيا بنا الآن إلى النوم وافعل في الغد ما تراه مناسباً.

ذهب أولئك الرجال الثلاثة إلى النوم، وأخذ كل منهم يحلم بالعثور على جنة الخلد وتمنى أن تكون عقيدته هي العقيدة الحق ويدخل جنة الخلد لوحده دون سواه. وهكذا إلى أن جاء الصباح وأطلت الشمس من أفق السماء وبدأت خيوط الضوء تدغدغ عيون المسيحي ووجهه وكأنها كانت تقول له هيا انهض من نومك أيها الكسول وانظر ما قد حل بك أنت ورفيقك المسلم، فاستيقظ المسيحي عندئذٍ مستجيباً لرغبة خيوط الشمس ونظر إلى مكان المسلم فرآه ما زال يغط في النوم وقد غطى رأسه بعباءته السوداء، ونظر إلى مكان اليهودي وفوجئ حين لم يجده في مكانه ثم التفت إلى مكان الجواد والناقة وفوجئ أيضاً بعدم وجودهما فانتفض من مكانه كالمجنون وأيقظ المسلم ثم أخذ كل منهما ينظر إلى الآخر بمزيد من الدهشة ولم يدريان ماذا يقولان ويفعلان.

انقضت لحظات قليلة من الصمت عاد بعدها الرجلان إلى وعيهما بعد الصدمة التي أصابتهما فتفقدا ما تبقي لهما من متاع كبعض الثياب الخفيفة والطعام والماء، لكنهما لم يجدا شيئاً أبداً فالتفت المسيحي إلى المسلم وسأله: ماذا سنفعل الآن؟.

أجاب المسلم: وماذا باستطاعتنا أن نفعل، فنحن قد قطعنا مسافات بعيدة وابتعدنا كثيراً عن مكان وجود الماء والطعام، فهيا بنا الآن نتابع البحث عن تلك الجنة لعل الله يساعدنا ونجدها.

وسار الرجلان وهما يأملان بالعثور على جنة الخلد وكانا يسيران حيناً ويستريحان حيناً آخر، وانقضت بضع ساعات وهما كذلك، وبينما هما سائران لاح لهما من بعيد خيال سور كبير وقد ظهر في أعلى السور بعضٌ من أوراق الأشجار وهي تتلألأ في أشعة الشمس كالمصابيح، وما أن شاهدا ذلك المنظر البديع الرائع حتى جدّا في السير باتجاه ذلك السور وهما لا يصدقان ما يريان وقد غمرت قلبيهما الفرحة والسعادة، وأخذ كل منهما يقول في نفسه: أخيراً وبعد جهد وعناء كبيرين سأصل إلى جنة الخلد وأدخلها بسلام وأنعم بالسعادة الأبدية.

أجل. لقد وجد الرجلان جنة الخلد بالفعل، ويا لها من جنة كان يحلم بها ويتمناها كل إنسان، جَنَّة تجري من تحتها الأنهار فيها من كل ما يشتهي المرء ويرغب، جنة لا شقاء فيها ولا عذاب ولا سقم أو مرض ولا خوف أو جزع، وماذا يتمنى المرء غير أن يعيش بسلام وأمان مطمئن البال قرير العين.

كان يحيط بتلك الجنة سور عظيم وفيه باب واحد فقط يحرسه ملكان من ملائكة السماء، وكان لديهما سجلات بأسماء الذين يُسمح لهم بدخول تلك الجنة، وكانت تلك السجلات مقسمة حسب عقيدة الإنسان، فقد كان للمسيحيين سجل وللمسلمين سجل ولليهود سجل وهكذا باقي الأديان والمعتقدات، وإذا كان اسم المرء مدون في سجله سُمح له بدخول الجنة بعد التأكد من حقيقة اسمه وشخصيته، وإن لم يكن اسمه مدون فيها فلن يدخل تلك الجنة أبداً.

إقترب الرجلان من باب الجنة وفوجئا هناك بوجود الرجل اليهودي وهو واقف بجانب السور وعلى مقربة من الباب، وقد بدا حزيناً كئيباً والدموع تنهمر من عينيه وهو يندب حظه أسفاً وندماً، فعلم الرجلان على الفور أنه لم يتمكن من دخول الجنة فاقتربا منه أولاً وسألاه عن ذلك فأجاب والحسرة تخنق صوته:

أرجوكما سامحاني عما قد فعلت معكما فأنا كنت أظن أنه لن يدخل هذه الجنة سوى اليهود، وكان أملي كبيرٌ بأن يشفع لي النبي موسى لو أن أمراً ما أعاق دخولي إليها، ولكن حصل عكس ما كنت أتوقعه تماماً.

قال المسيحي لليهودي وكأنه كان يريد تأنيبه:

ألم أقل لك أيها اليهودي أنك لن تدخل جنة الخلد لأنك لم تكن على الصواب بما كنت تعتقد وها قد ظهرت لك الحقيقة الآن.

أجاب اليهودي: أجل. لقد ظهرت لي الحقيقة الآن ولكن وحسرتاه بعد فوات الأوان.

بعد أن أنهى اليهودي كلامه مشى المسيحي وتوجه نحو باب الجنة ثم تبعه المسلم، ولما وصل المسيحي إلى الباب ووقف وجهاً لوجه أمام الملكان صعد الدم إلى رأسه وتغير لونه وأخذ يرتجف من شدة الخوف ومن هول اللحظة التي سيعلم فيها ما إذا كان سيدخل تلك الجنة أم لا، ونظر إليه أحد الملكان وسأله:

ما هو دينك؟. أجابه المسيحي وهو يرتعد من الخوف ولم يدري كيف رد عليه: أنا مسيحي.

وأحضر الملاك سجل المسيحيين ثم سأله: ما اسمك يا رجل؟.

وتلعثم المسيحي من شدة الخوف الذي ما زال يسيطر عليه، فبدل أن يقول له اسمي (جورج حنا معلوف)، قال له اسمي (جورج حسين الخروف).

نظر الملاك في سجل الأسماء، ولكنه لم يجد ذلك الاسم فقال له اسمك غير موجود فلن تدخل الجنة.

ولكن المسيحي لم يصدق ذلك وصمت للحظات ثم قال للملاك بعد أن كان قد استعاد شيئاً من ذاكرته وبدأت أعصابه الموترة تهدأ: بالله عليك أعد النظر في سجل الأسماء فأنا قد أخطأت في ذكر إسمي لك في بادئ الأمر لأني كنت خائفاً ومتوتراً فأنا إسمي (جورج حنا معلوف).

قال له الملاك: حسناً انتظر لحظة. ثم أعاد الملاك النظر في سجل الأسماء مرة ثانية لكنه لم يجد فيه إسم جورج حنا معلوف فقال للمسيحي: إن هذا الاسم ليس موجوداً أيضاً في السجل ويبدو أنك لا تستحق أن تدخل الجنة.

وهنا تغيرت ملامح الرجل المسيحي واصفر وجهه ثم سأل الملاك عن السبب الذي أقصاه عن دخول الجنة فاستوقفه الملاك للحظات لكي يحظر له سجله الخاص وعاد بعد فترة قصيرة وقال للمسيحي:

أنت بالرغم من أنك كنت إنساناً صالحاً وتحب الخير للناس كما تحبه لنفسك فقد كنت من تلك الفئة من الناس التي أشركت بالله الواحد وجعلت له ولداً، وكنت تصلي في حياتك للرسول عيسى الذي كنت تعتقد أنه ابن الله ونسيت الله ربك وربه وبقيت مصراً على الشرك بالله بالرغم من أنك كنت تعلم الحقيقة، وقد قال الله للمشركين أمثالك:

]إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً~116[ النساء 4.

وقال الله أيضاً:

]لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ اْلجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمينَ مِنْ أَنْصَارٍ~72[ المائدة 5.

وظهرت الحقيقة للرجل المسيحي وفهم السبب الذي أقصاه عن دخول الجنة، ولام نفسه كثيراً وعض أصابعه ندماً لأنه بقي متمسكاً بعقيدته رغم اقتناعه العقلي بعدم صحة تلك العقيدة، لكن الأوان قد فات ولم يعد ينفع الندم، ولما علم الرجل المسيحي أنه لن يدخل الجنة أبداً لم يعد يهتم لأي شيء وخلا ذهنه من أي سؤال إلاّ سؤالاً واحداً كان يجول في خاطره فطرحه على الملاك وقال: ما مصيري بعد ذلك أيها الملاك، هل سأدخل النار؟.

ورد عليه الملاك قائلاً: أنا لا أقدر أن أجيبك على سؤالك هذا فالعلم فيه عند ربي وربك، فاذهب الآن وانتظر مع المنتظرين في المكان الموجود في الناحية الأخرى من سور الجنة حتى يأتي أمر الله وحكمه الأخير عليك.

لقد جرى كل ذلك والرجل المسلم واقف بالقرب من الرجل المسيحي يرى ويسمع، وبالرغم من أنه كان يؤمن بالله ويقر ويعترف بوحدانيته فقد كان قلبه يرتجف من الخوف لمجرد تفكيره بعدم دخوله الجنة أيضاً، ولم يستمر ذلك منه طويلاً حتى اقترب من الملاك ووقف أمامه فسأله الملاك على الفور عن دينه فأجابه وهو يأمل أن يكون اسمه في سجل المسلمين وقال: أنا من المسلين.

جلب الملاك سجل المسلمين وسأله عن اسمه فأجاب: إسمي (حسين عمر معروف).

وأخذ الملاك يتفحص وجود ذلك الإسم في السجل واستمر ذلك منه للحظات وقد بدأت أعصاب المسلم تنهار وجسده يرتعد وكلما طال عليه الوقت كانت حرارته ترتفع والعرق يتصبب من جسده إلى أن توقف الملاك أخيراً عن البحث ونظر إلى المسلم وقال له: إن اسمك ليس موجوداً في سجل المسلمين.

يا لهول ما سمع ذلك المسلم، فهو كان يعتقد ويأمل أكثر من رفيقيه اليهودي والمسيحي بدخول تلك الجنة لأنه كان متأكداً وواثقاً من صحة عقيدته، فما الذي جرى يا ترى وما هي المعصية التي كان قد فعلها في حياته وهل هي معصية واحدة أم مجموعة من المعاصي؟ فهو لا يعتقد أنه كان قد اقترف ذنباً من الذنوب التي تبعده عن الجنة، ودفع به الفضول هو الآخر لكي يعلم السبب فسأل الملاك عن ذلك، وما هي إلا لحظات حتى عاد الملاك وتلا عليه الأسباب التي منعته من دخول الجنة وفيما يلي أهم ما جاء فيها:

1- إنك أيها المسلم لم تكن تملك قلباً سليماً، فقد كنت تسئ الظن بالناس ولم تكن تصفح وتسامح، وقد قال الله تعالى:

]يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ ~88 إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ~89[ الشعراء 26.

2- رغم اعتقادك بأن الله ربك ولم تشرك به أحداً فقد كانت أعمالك وأفعالك في الدنيا هي لكسب الجاه وليس تقرباً من الله، وقد قال تعالى:

]الَّذِي يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى~18 وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعمَةٍ تُجْزَى~19 إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِِ رَبِّهِ الأَعْلَى~20 وَلَسَوْفَ يَرْضَى~21[ الليل 92.

3- كنت لا تصل أرحامك وتتعالى على أهلك وأقاربك، وقال الله:

]فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُم أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ~22[ محمد 47.

 4- لقد كنت باراً بوالدك، لكنك كنت عاقاً بوالدتك التي حملتك في أحشائها وتحملت آلام حملك وولادتك وعذاب تربيتك، فهي وإن كانت غير ملتزمة في أمور دينها فقد كان واجباً عليك بِرها وعدم العقوق بها، وهي لما كَبُرت وتوفى الله والدك وأصبَحَت في أمس الحاجة إليك لم تكن تهتم بها وتساعدها مما اضطرها لكي تمد يدها للناس تستجدي عطفهم وشفقتهم، وقد ماتت أخيراً وهي غاضبة عليك، وكان الله قد أوصاك بها خيراً حين قال:

]وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانَاً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل لَهُمَا أُفٍ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيْما~ً23 واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَيَّانِي صَغِيراً~24[ الإسراء 17.

5- رغم أنك كنت تصوم وتصلي وحججت بيت الله الحرام فقد ارتكبت جرماً عظيماً وقتلت نفساً بغير حق، فقد حكمت على أختك بالموت وقتلتها ظلماً لأنك ظننت أنها قد زنت، وأنت لم تكن قد رأيت فعل الزنى بأم عينك بل قتلتها لمجرد أنك رأيتها مع حبيبها في غرفة مغلقة وهي لم تكن قد فعلت مثل تلك المعصية، وقال الله تعالى:

]وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ~151[الأنعام 6

وقال الله أيضاً:

]أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسَاً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنََّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً~32[ المائدة 5.

بعد أن تلا الملاك على المسلم ذلك أخذت الدموع تنهمر من عينيه بغزارة وتقطع قلبه حزناً وأسفاً وندماً وتمنى في تلك اللحظة لو أن أمه لم تلده، فهو لم يكن يتوقع أبداً أن تكون مثل تلك الأمور سبباً في عدم دخوله الجنة بل كان يعتقد أنه على الصواب بما كان قد فعل، وفهم حينئذٍ أنه يجب على المرء أن لا يجعل نفسه قاضٍ على الآخرين ويحكم عليهم من خلال ما يراه هو عدلاً أو صواباً بل يترك أمرهم إلى لله وقضائه، وأن لا يتصرف مع الناس من خلال الظن و (إن بعض الظن إثم)، وقد ظهر له كذلك أنه كان يهتم بأمور دنياه أكثر من إهتمامه بأمور آخرته، وتمنى في تلك اللحظة لو يمنحه الله فرصة أخرى ليكّفر فيها عن ذنوبه ويتوب إليه، ولكن هيهات له ذلك فقد قُضي الأمر وانتهى كل شيء.

في تلك اللحظات الأخيرة التي تقرر فيها مصيره وإلى الأبد تذكر بعض الآيات من كلام الله وأخذ يرددها وهو يبكي ويبكي.

]يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ~88 إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ~89[ الشعراء 26.

]وَاتَّقُوُا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ~281[ البقرة 2.

]وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً~27[ الفرقان 25.

ما إن انتهى ذلك الرجل المسلم من تلاوة تلك الآيات حتى سمع صوت زوجته وهي تقول: هيا انهض من نومك يا حسين فموعد صلاة الفجر قد اقترب وأنت لا زلت تغط في النوم، هيا قم إلى الصلاة يا رجل.

نهض حسين من فراشه كالمجنون وهو يردد: أشهد أن لا إله إلاّ الله... وأشهد أن محمداً رسول الله... أشهد أن لا إله إلاّ الله... وأشهد أن محمداً رسول الله...

 

العـودة إلى فهرس عبر من الحياة

 
 
 

 
 
الصفحة الرئيسية المغـتـربـون مصمم الموقع منوعـات عامة مواقع إنترنت المناسبات الدينية إتصلوا بنا