أحبها وأحبته لمدة طويلة وشاء لهما القدر أن يفترقا، فعاش هو بعدها
في همٍ وألمٍ وعذاب، ولعن الأيام والظروف التي لم تساعده على
الزواج منها، وبدأ اليأس يتسرب إلى قلبه، ولم يجد أمامه أخيراً من
وسيلة غير طريق السفر، فلعلّه إذا ابتعد عنها ينساها ويرتاح من
العذاب والتفكير بها.
سافر ذلك الشاب إلى أحد بلاد أوروبا وقد تعرف خلال وجوده هناك على
إحدى الفتيات ثم تزوجها وأنجب منها طفلة صغيرة ثم عاش معها لمدة
أربع سنوات تقريباً، ولكنه خلال تلك السنوات لم يرتاح إلاّ قليلاً
حيث كانت تواجهه بعض المشاكل والمصاعب في العيش مع تلك الزوجة بسبب
اختلاف عاداتهما، فهو قد تربى على عاداته الشرقية وهي قد تربت على
عاداتها الأوروبية وهنالك اختلاف كبير بين نمط حياته ونمط حياتها،
وهو كان يرغب بإنجاب المزيد من الأولاد وهي كانت تعارض ذلك،
فافترقا أخيراً واحتفظت هي بالطفلة لأن قانون ذلك البلد يعطيها
الحق بذلك، وأخذت تربيها حسب عاداتها وتقاليدها ولم تسمح له
برؤيتها إلاّ نادراً مما أحزنه كثيراً وزاد الألم في نفسه ولكنه
كان حيال ذلك لا يستطيع فعل شيء.
قرر ذلك الرجل أن يعود إلى بلده بعد غياب دام ست سنوات لكي يبحث له
هناك عن امرأة عربية فيتزوجها ويأتي بها إلى أوروبا. وأول مكان
قصده هناك كان منزل حبيبته القديمة لكي يستقصي أخبارها ويعلم ماذا
حل بها بعد غيابه عنها فوجدها ولحسن حظه كما تركها لم تتزوج بعد
وكأنها كانت تنتظر عودته إليها، فغمرت الفرحة قلبه وسُرّ لذلك
كثيراً ووجد أن الفرصة الآن قد سنحت لكي يتزوجها لأن العوائق التي
كانت تمنع زواجه منها قد زالت بمرور السنين، ولم يضيّع ذلك الحبيب
كثيراً من الوقت فتزوجها على الفور وسافرت معه إلى أوروبا حيث
يعيش.
ظن ذلك الحبيب في بادئ الأمر أن الله إنما أراد أن يكافئه على صبره
واحتماله كل تلك السنوات الطوال فجمع شمله أخيراً بحبيبته التي
طالما تمنى الزواج منها، ولكنه فوجئ بعد
فترة من الزواج بأن حبيبته تلك هي عاقر ولا يمكن لها أن تنجب
الأطفال، وقد فعل المستحيل لكي يعالجها مما هي فيه إنما دون جدوى.
تبيّن لذلك الرجل حينئذٍ بأن الله سبحانه وتعالى إنما أراد له فيما
مضى أن لا يتزوج من تلك الحبيبة ليس عقاباً له على ذنب ما قد
اقترفه أو لأن حظه كان سيئاً في الحياة، إنما كان في ذلك رحمةً له،
فلو أنه رضي بما قدّر الله له وتزوج حينذاك من أية امرأة أخرى وهو
في وطنه فربما كان قد أنجب منها الأطفال وعاش معها حياة سعيدة ولم
يحصل له ما قد حصل مع طليقته الأوروبية وابتعاد ابنته عنه.
وجد ذلك الرجل نفسه فجأة في مشكلة كبيرة، فماذا عساه الآن أن يفعل،
أيقضي ما تبقى له من حياة مع تلك المرأة العاقر، أم يتزوج من امرأة
أخرى تنجب له الأطفال ويُبقي حبيبته العاقر مع زوجته الجديدة؟ هذا
إذا رضيت
الامرأتان
بذلك، وإذا رفضت زوجته العاقر زواجه من امرأة أخرى وعارضته،
أيطلقها ويتزوج غيرها؟.
بعد تفكير طويل قرر ذلك الرجل أن يتزوج من امرأة أخرى لأنه كان
يرغب بإنجاب الأطفال، ولما عرض أمر زواجه على زوجته العاقر رفضت
ذلك الأمر بشدة وطلبت منه أن يطلقها إن هو بقي مصراً على الزواج.
وهكذا كان، فقد طلق ذلك الرجل وبكل سهولة حبيبته التي كانت قد شغلت
فكره وعقله لفترة من حياته والتي كان يعتقد أن لا حياة له من
دونها، ثم تزوج بعد ذلك من امرأة أخرى وأنجبت له الأولاد من بنين
وبنات.
تلك هي حكمة الله في خلقه، فهو مدبّر الأمور ومُقسّم الأرزاق وهو
الذي يقضي ويقْدِر، فإن لم يحصل الإنسان على ما يريد ويرغب فليس
معنى ذلك أن الله لا يريد له الخير، أو أن الله يريد معاقبته على
خطيئة ما قد ارتكبها، بل على العكس، فربما كان له في ذلك خيراً.
إذن فليرضى الإنسان بما قد قدَّر الله له. قال تعالى:
]وَعَسَى
أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَن
تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلُمُ
وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ[
البقرة
2.
216~