|
|
كتبت مجلة
الجيش - العدد رقم (217) - السنة 19 - تموز 2003 - الصفحة 52
|
| |
|
|
شاعر لبناني يعود نسب
عائلته إلى بلدة حاروف قضاء النبطية في الجنوب. ولد في حلب سنة 1921 بعد
أخوين لم تكتب لهما الحياة، فألبسه أهله جلد خروف تيمناً بمقولة شعبية،
ومضوا به إلى أحد رجال الدين طالبين تلاوة القرآن فوق رأسه تبركاً، لعل
الله يكتب له
العمر مديداً وسيعاً. |
| |
|
عاد الأهل إلى لبنان
وانضم الولد عبد الجليل إلى تلامذة مدرسة حوض الولاية
في بيروت، بعد فترة قصيرة
أمضاها في تلقي دروس أولية لدى شيخ مجاور لمسكنه. حصته من الدراسة في حوض
الولاية كانت شهادة
البكالوريا. ومرحلة دراسية متقدمة في تلك الأيام، تدل
دلالة واضحة على إهتمام الأهل بولدهم، كما تدل على ذكاء الولد أيضاً وعلى
رغبته في العلم والتحصيل. |
| |
|
غلب الطابع الأدبي
على الفتى، خصوصاً وأنه كانت للكلمة آنذاك مكانة وقيمة. مال إلى الشعر
الشعبي يقرضه في كل مناسبة، ويعبر بواسطته عن مكنوناته الوجدانية
والعاطفية، وقد
اختار المنبري منه
نظراً لما تميزت به شخصيته الناشئة من ثقة
ووضوح وحب للتحدي. وهكذا وقف عبد الجليل وهبي فوق المنابر وهو
بعد في السادسة
عشرة من عمره، وراح يتدرج
في نشاطه الشعري من مرحلة إلى مرحلة، إلى أن
التقى الأسعدين ، سابا والسبعلي، فأسس معهما ما عرف آنذاك
بـ "عصبة الشعر"، وقد أغنى الثلاثة المستمعين والمتابعين بمباريات زجلية مشوقة. |
| |
|
وكانت لعبد الجليل
لاحقاً لقاءات شعرية مختلفة مع شعراء الزجل في لبنان: علي الحاج القماطي،
محمد مصطفى، زين شعيب، موسى زغيب... وكان يمتاز بأنه شاعر إرتجالي لا
يلجأ إلى التحضير بل يطلق " رداته " عفوية صادحة من دون تكلف أو حساب. |
| |
|
لكن الحدث الأبرز في
حياته الشعرية كان التحاقه سنة 1953 بالإذاعة اللبنانية، في السراي
الحكومي، وكان من أقطابها آنذاك
، ميشال خياط وحليم الرومي اللذين طلبا إليه
التخلي عن الشعر المنبري ذي القافية الواحدة والنغم المتواصل والمعاني
المتداخلة، والإنتساب إلى نادي القصيدة القصيرة المختصرة المتماسكة،
منوعة القوافي، واضحة الصورة، محكمة الربط، والتي تستمر في النطق باللهجة اللبنانية مع التوفيق الواضح بين المحلية والإقليمية، بحيث يميل إليها
الجميع: من المواطن والمقيم، إلى المستمع العربي في كل مكان. كل ذلك
للمساهمة في ترسيخ الأغنية اللبنانية، التي حمل لواءها قبل سنوات قليلة من
تلك الفترة الملحن المعروف نقولا المنّي، فوقفت جميلة محبوبة إلى جانب
أختها الأغنية المصرية التي كانت تملأ الأسماع في كل مكان، ويميل
إليها كل مطرب محترف، أو فنان ناشئ، أو مستمع هاوٍ... عمل الشاعرالنشيط
بالنصيحة، وكرّت سبحة أغنياته لتكون على لسان كل مطرب من حليم الرومي إلى
وديع الصافي إلى صباح
إلى سعاد محمد إلى نور الهدى إلى زكية حمدان إلى نجاح سلام إلى وداد إلى نصري شمس الدين إلى سامي الصيداوي إلى مصطفى كريدية إلى محمد غازي إلى سميرة توفيق إلى نجيب السراج
إلى صباح فخري إلى مها الجابري إلى فهد بلان، وصولاً إلى وردة
ونجاة الصغيرة وفائزة أحمد، وإلى عبدالغني السيد وعبدالعزيز محمود
وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش. |
| |
|
سنة 1961 أنتخب عبد
الجليل وهبي أول رئيس لجمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى في لبنان، نظراً لما كان يتمتع به من مكانة أدبية ومن صداقات فنية. |
| |
|
وفي العام ذاته منح
الوسام الذهبي العالمي
- فخر فرنسا، لغزارة إنتاجه وشهرة أغانيه التي
كانت قد بلغت
5000 أغنية (وقد تجاوزت هذا العدد بكثير بعد ذلك، كما تم منحه
راتباً مدى الحياة يستمر بعده لأولاده لمدة 50 سنة). |
| |
|
سنة 1978 منح
وسام الشرف من جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى في العالم.
وفي العام
1998 منح وسام شرف آخر من الجمعية
نفسها، واعتبر عضواً نهائياً فيها. |
| |
|
تعددت حالات زواجه.
محاولته الأولى حصلت في السابعة عشرة من عمره. إحدى زوجاته كانت الفنانة
وداد. يتوزع أولاده وأحفاده في كل مكان من العالم. وهو ميّال عن
الجمال، لا يتورع عن ملاحقته في كل الظروف.
|
| |
|
غادر لبنان منذ حوالي
ثلاثين سنة إلى الخليج العربي، حتى ظنّ الكثيرون أنه قد رحل من الدنيا. عاد
منذ فترة قصيرة إلى أرض الوطن، فكانت مفاجأة للمهتمين المتابعين،
ولم يكن شيء بالمقابل لراكبي أمواج هذا العصر اللّعين. |
| |
|
عودة لبداية الصفحة |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
|
|
كلماته سكنت الآذان ورددتها الألحان |
| |
|
كتبت مجلة
الجيش - العدد رقم (217) - السنة 19 - تموز 2003 - الصفحة 52
|
| |
|
|
كان
الفتى يحرّك منذ صغره إبرة المذياع، ينتقل من محطة إذاعية إلى أخرى، ولا
يلبث أن يعود إلى دار الإذاعة اللبنانية ومن ثم إذاعة لبنان. كانت إذاعة
لبنان الصوت الوطني الوحيد الذي يبث الأنغام والألحان التي يرددها الأهل
والجيران، ويسمعونها في الأعراس والمناسبات. كان الفتى يهزأ من أصوات
الكورال التي ترافق المطرب، ولا يزال يحتفظ بأسماء قديمة مثل زكية
حمدان، وفؤاد زيدان، وصابر الصّـفح، إضافة إلى الدائم وديع الصافي،
وصباح، وطبعاً فيروز والرحابنة. كان يحفظ بعض الأغاني، وكان يلفته قبل
تقديم الأغنية أنها من كلمات فلان
أوفلان. وكانت أغاني وديع وصباح والكثيرين
من نظم عبد الجليل وهبي. بقي الإسم راسخاً في ذهن الفتى لأنه كان يتكرر عند
تقديم معظم الأغاني؛ لم يعرف من هو عبد الجليل وهبي سوى أنه قابع في ذاكرة
الماضي الجميل أيام كانت الأغنية أغنية، وكان معدّو الأغاني يحترمون الذوق
العام، والتراث الشعبي. |
| |
|
كانت
أغنية "جينا وجينا وجينا، جبنا العروس وجينا" تسمع في حفلات الزفاف في
الصيف في القرية والجوار، وعلم الفتى أنها تنشد في كل الأعراس اللبنانية
وظن أنها تراث كالدلعونة... وطالما أحب أغنية "بالساحة
التقينا بالساحة،
عليها عيون شو دباحة"؛ وبقي في ذهن الفتى الكثير من ذوق الماضي، الذي
كان كافياًَ لينفره من الأغاني الكيميائية الجديدة، التي سرعان ما تسقط من الذاكرة والتداول. علم قيمة الكلمة وأهميتها في
استدرار اللحن، وأدرك
أخيراً وبعد طويل من الزمن أهمية شعراء الأغنية، ومنهم عبد الجليل وهبي
الذي بقي في الذاكرة محاطاً بغموض ناتج عن جهل، وبعض عدم
اكتراث، وكثير
من سيطرة الروتين وهيمنة المتطلبات اليومية. |
| |
|
ذات يومٍ
سمع بعبد الجليل وهبي، وكان ظن أنه رحل، إلا أنه تأكد أنه ما زال حياً
يرزق، فهمّ على وجه السرعة لمقابلته علّه يستعيد في ذلك جزءاً
جميلاً من الحياة كاد يضيع مع الزمن. سارع إلى تحضير
الموعد مع صاحبيه اللذين ما زالا يحتفظان، خلافا لما هو شائع، بجميل
الماضي، ويحاولان جاهدين إسباغه على أدب الحاضر بمشقة واضحة وبنجاح قليل
قليل. |
| |
|
بإهتمام
غريب ونادر في الثقافة السائدة، توجه الثلاثة إلى منزل عبد الجليل وهبي؛ ها هو الشاعر يجلس في ركن داره. خاب الأمل من إستعادة الماضي، فعبد الجليل
في مرحلة الغروب، وتلك الشمس التي سطعت طويلاً رآها صاحبنا وهي تغرب،
ورأى أن معها يغرب الأمل في إستعادة الجمال القديم. حاور عبد الجليل من دون
نتيجة. طرح عليه الأسئلة. لم يبدِ عبد الجليل الإهتمام المنتظر، وكان
الفتى يسمع الأجوبة من صاحبيه إنقاذاً للموقف، مما أثار دهشة
إبنة
عبد الجليل القادمة بعد
رحلة عمر طويلة من الشمال الأوروبي، وحفيدين ينظران إلى
كتاب توثيق أصفر اللون لعائلة توزعت في كل الأصقاع. وإذا بعبد الجليل جامعة
عربية، بل شرق أوسطية بلغة التطبيع، من حاروف في جبل عامل، إلى بيروت
ووادي أبو جميل، إلى نازحي فلسطين، إلى غرائب المغرب. أولاده وأحفاده
يتوزعون، وهو لا يزال يردد بعض الشعر الجميل. الإهمال الذي ساد
انعكس
عليه. تنظر إلى الجدار فترى شهادات تقدير فرنسية لشاعر شعبي
لبناني، فتسأل
نفسك: أين هي تقديرات الوطن في حمأة كراكوزات التكريم المتكررة؟ |
| |
|
ويجلس
عبد الجليل سلطاناً شارداً على الكنبة والكل في حيرة. في الغروب تعطيك
الشمس أجمل المناظر. وغروب عبد الجليل حرك الخيال وأشعله وأطلقه
باتجاه الماضي. لكنه لم يعط الحرارة المطلوبة ولا السطوع المرجو. |
| |
|
بين إبنة
ذات وفاء نادر، وحفيدين تنبض على نظرتيهما مشاعر محبة من دون آلية تنفيذ أو
إظهار، يستمر عبد الجليل على
كنبته، يعيش غروبه، ولست أدري إن كان قد
علم من أتى لزيارته بهذه اللهفة وهذا الإهتمام، ولماذا، وعلام يبحث هؤلاء
الزائرون. ما أصعب الزيارة لحظة الغروب! |
| |
|
عودة لبداية الصفحة |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
|
|
شاعر الأغنية
الفولكلورية والتراث الشعبي |
| |
|
بقلم الدكتور فاروق الجمّال: جريدة الشرق -
السبت 26 تموز 2003 - العدد 16284 - الصفحة 14
|
| |
|
|
بعد غربة دامت أكثرمن ربع قرن،
قضاها متنقلاً بين السعودية والكويت والبحرين، عاد الشاعر الغنائي عبد
الجليل وهبي الى بيروت ليستقر في شقة إبنته فاطمة، من زوجته
الثانية
المطربة وداد، صاحبة الأغنية الشعبية (بتندم) التي لحنها سامي
الصيداوي.
|
| |
|
وصل وهبي الى بيروت، ليرتاح من
عذابات الناس،
ونكران أهل الفن، حاملاً على منكبيه 78
عاماً من الوجع.
|
| |
|
منذ وصوله إلى بيروت، رفض وهبي
مقابلة أحد، مقرراً العزلة والهروب من الأضواء، مفضلاً تمضية ما تبقى
من مشوار العمر في منزل إبنته فاطمة، شقيقة عازف البيانو عبد
الرحمن باشا من أمه. وبعدما طلق عبد الجليل وهبي وداد، تزوج سناء
جركس (أردنية)
وأنجبت له بنتين.
|
| |
|
يعتبر عبد الجليل وهبي أحد
مداميك الأغنية اللبنانية، وأحد مؤسسي نقابة الموسيقيين اللبنانيين. |
| |
|
وضع أكثر من 5000 أغنية،
وقدم عشرات الأصوات، فكانت كلماته جواز سفر إلى العديد من
الفنانين، وشكل مع فيلمون وهبي وصباح ثلاثياً بارزاً. |
| |
|
أشهر هذه الأغنيات، التي
توزعت بين أصوات وردة (سهرانه وإيدي على خدي)، وفايزة أحمد،
وديع الصافي، صباح، وداد، فهد بلان، فدوى عبيد، فريد الأطرش،
عصام رجي، طروب، محمد جمال.... وغيرهم.
|
| |
|
من أغاني وهبي: "بالساحة
التقينا بالساحة، جنات على مد النظر، يا غايبين بهواكم قلبي دايب"،
ما عدا الأغاني الوطنية والتي كان ينافسه فيها الشاعر الغنائي أسعد
سابا مؤلف قصيدة صرخة بطل، بصوت وديع الصافي. |
| |
|
أيضاً وضع وهبي إلى جانب "جنات
على مد النظر و بالساحة التقينا بالساحة عليها عيون شو دباحة"، يا
صخرة المينا، غلطنا مرة وحبينا، قالت بتروحلك مشوار قلتلها يا ريت،
ويلي لو يدرون، شو طمّعك يا زين، و عاللومة اللومة، وهي أول أغنية
لوديع الصافي في الخمسينات. وغداة حرب 1967 غنى فريد الأطرش لعبد
الجليل وهبي "شعبنا يوم الفدا". وكذلك محاورة حماسية مع المطربة
فدوى عبيد، هي أسمى مولدات موهبة الشعر الجمالية المتجلية بالكلمة
الحلوة واللحن العذب والأداء الجميل. |
| |
|
"أغنيتنا اليوم" - يقول
عبد الجليل فكرة وفلذة، وبقدر ما ينجح الكلام والنغم والصوت في
التعبير عن المضمون وإبراز معالم وحدة المعنى، بقدر ما تتوافر
عناصر نجاح الأغنية. |
| |
|
ويتابع وهبي: للكلمة في الأغنية
شأن غيره في الشعر المكتوب والمقروء أو النثر، فهي عنصر أولي، كثيراً
ما تعوض مزاياها الشكلية، الجانب الكبير من مزاياها الجوهرية. وهذه
النظرية يثبتها إنتشار الأغاني التي تفتقر إلى الطاقة المعنوية الشعرية. |
| |
|
والكلمة المغناة يجب أن تكون
ذات جرس موسيقي، رشيقة موحية، غير مبتذلة. ويلاحظ أن هذه الصفات إذا
توافرت في جمل نثرية متوازية، أصبح النثر كالشعر، مادة موسيقية
غنائية. |
| |
|
شَـكـّـلَ عبد الجليل وهبي،
والرحابنة وأسعد سابا ومارون كرم وأسعد السبعلي وتوفيق بركات، ثورة في
عالم الأغنية اللبنانية. |
| |
|
ونذكر أغنية لحنها فيلمون وهبي، وكتب كلماتها عبد الجليل وهبي، وهي تمتاز بالخفة والظرف اللذين
نجدهما في أغنيات فيلمون الشعبية وهي: "دخل عيونك حاكينا"، وكذلك
أغنية "ما في نوم ما في نوم" و "يا كركون" الكاريكاتورية. |
| |
|
عـبد الجـليـل وهـبي، يمكن
إعتباره رمزاً للأغنية اللبنانية البسيطة في معظم إنتاجه الشعبي، وهذه
الناحية متأتية من فطرة عبد الجليل في العطاء الشعري، فتنبع كلماته من
البيئة اللبنانية ذات الجذور العريقة في التراث. فقصائده فيها من
البساطة اللبنانية الكثير. وهي بعيدة عن التعقيد، ولا تحمل أفكاراً
عميقة، بل تمتاز بالشفافية والنغم الجميل، وغالباً ما تنساب على
شجيتها الكلمات،
وتأتني لتزيد اللحن تعبيراً وإيقاعاً جميلاً.
|
| |
|
دائماً كان عـبـد الجـليــل
وهـبـي مسكوناً بالجديد الجمالي، وهذا الإدمان الإبداعي حوّل الشاعر
إنساناً متوتر الأعصاب، قلق المشاعر، هادر العطاء. |
| |
|
عودة لبداية الصفحة |
| |
| |
| |
| |