|
|
حـاروف
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
بسم الله الرحمن الرحيم " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون " البقرة 186 ********** " قل ما يعبؤا ْ بكم ربي لولا دعاؤكم " الفرقان /77 ********** وقال تعالى : " ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " غافر /60 ********** إن أفضل العبادة الدعاء ، فإذا أذِن الله للعبد في الدعاء فتح له باب الرحمة ، أنه لن يهلك مع الدعاء أحد . ********** الدعاء قلب العبادة أو هو مخ العبادة ********** |
الـدعـــاء
بسم الله الرحمن الرحيم " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون " البقرة 186
معـنى الدعاء الدعاء هو تعبير عن ظاهرة روحية مستقلة تنطلق من إحساس النفس المؤمنة بعظمة من تلجأ إليه ، وعبوديتها له ، وحاجتها للإرتباط به . وعلى هذا الأساس فهو أقرب شعائر الإيمان للخالق العظيم ، والصلة المشتركة بين بني الإنسان بمن يتصلون به (أي الصلاة المشتركة بين جميع الأديان) . وتضمنت السنة النبوية الشريفة ، أصولاً مهمة ممّا كان يدعو به نبي الرحمة (ص) ، ويناجي به ربّه ، ويعلمه لأصحابه وسائر المؤمنين مبتدئاً بأهله . كما أورد القرآن المجيد أمثلة عديدة ، حُكي بعضها على لسان الأنبياء والصالحين ، وساق بعضها الآخر تعليماً للمؤمنين ، وإرشاداً لهم إلى ما ينبغي أن يُدعى به خالق الكونين . وفي نفس المنوال نسج الأئمة والصالحون ، ففاضت على ألسنتهم أدعية وابتهالات كثيرة تذخر بالتجارب الروحية ، والمعاني والقيم الإنسانية ، والمفاهيم الإجتماعية والدينية . وخصصوا طرداً كبيراً ، ووضعوا منهجاً زاخراً بالمفاهيم التي تؤدي المطلوب وتريح النفوس ، وتسمو بالإنسان حتى يتعلق بالذات القدسية في مواضع شتى ، سوف أتعرض لها إجمالاً لانفراد بحثي في هذا الكتاب في الشهر الفضيل (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ). وكما أنه شهر التوبة والغفران ، هو باب من أبواب الله الذي يُـؤتى منه ، وحيث يُحجَـر فيه الشيطان ، فلا سلطان له على الإنسان خلال هذا الشهر المبارك . إغتنام الفرصة فيه للتوبة ، والتمسك بحبل الله المتين ، والإخلاص له بالعمل ، هو من أفضل العبادات ، ومنجٍ من عذاب الله ، كما أنه سوف يحول السيئات إلى حسنات . فالدعاء فيه واجب ظنِّي ، وهو الطلب من الله ، والرغبة فيما عنده من الخير .
الــدعـــــاء لقد استعمله الأنبياء والصالحون منذ آدم (ع) . ومما جاء في كتاب الله العظيم على لسان آدم وحواء : (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) الأعراف 23 . هذا بخصوص النفس ، والتوبة والتوسل لقبول الإعتذار ، والإقرار لله تعالى بما كان ، والتسليم له بأنه هو القادر على كل شيء . أما نوحٌ حين ناجى ربه بعد اليأس من إيمان قومه ، واستهزائهم ، وتكذيبهم بآيات الله : ( ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم * ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين) . وكما أن باقي الأنبياء لجؤوا إلى الدعاء في مواطن الشدة والرخاء كذلك ، حيث إنه الإتصال المباشر في أي وقت بالله تعالى . وسوف أتعرض لأوقاته التي تكون فيها الإستجابة سريعة . وكما نرى هنا (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وأتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) . ( وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين * وزكريا إذ نادى ربه ربي لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحي وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) الأنبياء 87-90 . فما أضعفنا ، وما أوسع الأبواب التي ندخل منها لرضاه سبحانه وتعالى ، حيث فتح أعيننا على السبيل المؤدي إليه ، وأتحفنا بالتوبة التي هي رحمة الله للإنسان ما زال وبقي على وجه الأرض ، ونوراً له حين دخوله في بطنها إلى يوم يلقاه ، فيقول له خذ حتى ترضى في يوم الجزاء الأوفى .
أثر الــدعـــــاء قال الله تعالى في محكم كتابه العظيم : (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) البقرة 186. وأكد النبي (ص) ، وأهل بيته عليهم السلام ، بالحث والترغيب الشديدين على الدعاء ، وقد روي عن الرسول الأكرم : (الدعاء سلاح المؤمن) الكافي ج2ص468 وبحار الأنوار ج93 ص294. وكما قال رسول الله (ص) : ( ما من مؤمن دعا الله تعالى بدعوة ليست فيها قطيعة رحم ، ولا استجلاب إثم ، إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث : إما أن يعجل له استجابة الدعوة ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يرفع عنه مثلها من السوء) بحار الأنوار ج93 ص295 . وورد عن آل البيت عليهم السلام : (لا يُرد القضاء إلا بالدعاء) بحار الأنوار ج8 ص296 . أي لا يصرفه ويدفعه ويهونه إلا الدعاء . وكما قالوا : (إن الدعاء يرد البلاء) بحار الأنوار ج93 ص295 . وقالوا : ( الدعاء مفتاح نجاح) بحار الأنوار ج93 ص341 . أي الظـَفـَر بالمطلوب والحصول عليه بسبب التوسل بالخالق . وعن أبي عبدالله (ع) : (أكثر من الدعاء فإنه مفتاح كل رحمة ونجاح كل حاجة) ... (وليس باب يكثر قرعه إلا يوشك أن يفتح لصاحبه) مكارم الأخلاق ص299 . وعن علي بن أبي طالب (ع) : (تقدموا بالدعاء قبل نزول البلاء) سفينة البحار ج1 ص449 . وكما قال سيد البلغاء (ع) : (ما المبتلى الذي قد اشتد به البلاء بأحوج إلى الدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء) بحار الأنوار ج93 ص301 . فبما أن دعاء الله سبحانه وتعالى يوقظ القلوب من الغفلة ، ويمد روح الإنسان بالتفاعل مع الحياة ، فتتيسر الأسباب لحاجته المشروعة ، وتكون لديه القوة النفسية الكافية لمواجهة المشاكل ، لكون الدعاء يعني الإعتماد على القدرة المطلقة لذات الله سبحانه التي تحكم الكونين . ولنشاهد ما أوصى به الإمام علي بن أبي طالب (ع) ولده الحسن (ع) فقال : (واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك بالدعاء ، وتكفل لك الإجابة ، وأمرك أن تسأله ليعطيك ، وتسترحمه ليرحمك ، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه ، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ، ولم يعاجلك بالنقمة ، ولم يناقشك بالجريمة ، ولم يُِؤيسك من الرحمة ، بل جعل نزوعك - انقطاعك - عن الذنب حسنة ، وحسب سيئتك واحدة ، وحسب حسنتك عشرة ، وفتح لك باب المتاب - التوبة - ، فإذا ناديته سمع نداءك ، وإذا ناجيته علم نجواك ، فأفضيت إليه بحاجتك ، وشكوت إليه همومك ، واستعنته على أمورك ، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره ، من زيادة الأعمار وصحة الأبدان وسعة الأرزق) . هذا والدعاء هو نوع من أبواب القبول السريع للعامل الذي جهد نفسه في سبيل رضا الخالق ، وليس الدعاء بالإتكالية والأحلام ، وترك المثابرة . فهذا منهج الأنبياء والأئمة والصالحين الذين يلتزمون الدعاء ، ويجدّون في أمور الحياة المشروعة في دفع الضرر وجلب المنفعة التي كان أحد السبل إليها الدعاء .
آداب الــدعـــــاء كما أنه لكل عمل آداب خاصة ، فللدعاء آدابه ، ويجب مراعاتها في كل الأحوال ، وإنها ذكرت عن آل الرسول الأكرم عليم السلام في هذا الخصوص : 1- أن يطهر الداعي طعامه من المحرمات والشبهات. عدة الداعي ص 371 ، بحار الأنوار ج93 ص373. 2- الطهارة (الوضوء أو الغسل) سفينة البحار ج1 ص446 . 3- شم الطيب ، والذهاب إلى المسجد ، والصدقة ، واستقبال القبلة ، والتختم بالعقيق أو الفيروزج عند الدعاء . سفينة البحار ج1 ص446 - 447 . 4- إقبال الداعي إلى الله بقلبه بنية صادقة . بحار الأنوار ج73 ص379 . 5- حسن الظن بالله في تعجيل إجابته . الكافي ج8 ص473 . 6- رفع اليدين بالدعاء . سفينة البحار ج1 ص447 . 7- الإصرار بالدعاء بأن يكتم مناجاته مع الله عن الآخرين . بحار الأنوار ج93 ص312 . 8- الإعتراف بالذنب ، وتجديد التوبة . بحار الأنوار ج93 ص318 وسفينة البحار ج1 ص446 . 9- الخشوع لله تعالى . عدة الداعي ص341 . والبكاء لله تعالي أو التباكي عند الدعاء . سفينة البحار ج1 ص 446 . 10- بدء الدعاء بـ : بسم الله الرحمن الرحيم ، وبحمد الله والثناء عليه تعالى ، والتعميم ، مثل أن يقول اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات. بحار الأنوار ج93 ص 315 - 313 . 11- تقديم الأخوان ، بأن يدعو لإخوان غيره قبل أن يدعو لنفسه . بحار الأنوار ج93 ص386 . وتسمية حاجته ، وأن لا يسأل محرماً . سفينة البحار ج1 ص446 . 12- أن يختم دعاؤه بالصلاة على محمد وآل محمد . الكافي ج2 ص491 ، وقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله . سفينة البحار ج1 ص447.
الأوقات التي فيها إجابة الدعاء إن الدعاء في الشهر الحرام رمضان الكريم مستجاب في كل الأوقات ، حيث قال الرسول (ص): (نوم الصائم عبادة) ، فإذا كان كذلك ، فالأولى الدعاء فيه عبادة ، ومستجاب ومضاعف الأجرعليه حيثما كان . وذكرمن الأوقات التي يرجى فيها الدعاء : أولاً : عند الأذان ، وبين الأذان والإقامة ، وعند القنوت في الصلاة ، وبعد الصلاة الواجبة ، وبين الصلاتين ، وبعد الفراغ من صلاة الليل ، وفي السحر إلى طلوع الشمس ، وفي ساعة آخر النهار من يوم الجمعة ، وعند قراءة القرآن ، وعند رؤية الهلال ، وفي ليلة القدر ، وعند قطع العلائق عما دون الله . سفينة البحار ج1 ص447 . ثانياً : دعاء المريض لعائده ، دعاء الوالدين لولدهما وبالعكس . عدة الداعي ص 355 . ثالثاً : دعوة المظلوم ليس لها حجاب دون العرش . بحار الأنوار ج 75 ص 107 . وأسرع الدعاء نجاحاً للإستجابة دعاء الأخ لأخيه المؤمن بظهر الغيب . عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ( دعاء أطفال أمتي ما لم يقارفوا الذنب ) . وروي أن الإمام الصادق عليه السلام قال : إن تفسير قولك آمين يعني ربِّ إفعل . وورد في الحديث ، الحث على الدعاء لحسن العاقبة ، وعدم الزيغ يعني عدم الميل عن الإيمان والحق .
الذنوب التي تمنع استجابة الدعاء كما أن هناك أمورٌ تعجل قبول الدعاء ، فإنه توجد ذنوبٌ ترد الدعاء . وروي عن علي بن الحسين عليهما السلام (أعوذ بك من الذنوب التي ترد الدعاء)، وعنه (ع): الذنوب التي ترد الدعاء هي : أولاً : سوء النية . ثانياً : خبث السريرة . ثالثاً : النفاق مع الأخوان . رابعاً : ترك التصديق بالإجابة . خامساً : تأخير الصلوات المفروضة حتى تذهب أوقاتها . عدة الداعي ص154 . وورد أن العبد إذا دعا الله تبارك وتعالى بنية صادقة ، وقلب مخلص ، استجيب له بعد وفائه بعهد الله عز وجل . وإذا دعا الله بغير نية وإخلاص ، لم يستجب الله له ، أليس الله يقول: ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) البقرة 40 . فمن وَفىّ وُفِيَ له . سفينة البحار ج1 ص449 . وروي عن النبي (ص): " لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ، أو ليسلطن الله شراركم على خياركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم " . وألـّـف العلماء في فضل الدعاء وآدابه المأثورة عن آل البيت عليهم السلام، كتباً كثيرة ومطولة ومختصرة . ويجوز الدعاء بكل دعاء مشروع ، وهذا ما نلمسه من الداعين بقلب سليم ولهان، وعيون ذارفة بالدموع في سرعة الإجابة في كل زمن وفي كل حين . والله قريب من الداعي يسمعه ، حيث يقول: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع ِ إذا دعان ِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) .
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||